برامج

حديث مصباح الأحدب إلى برنامج “وقائع” وبراهين على إذاعة ومنصة الأمة

في حلقة جريئة من برنامج “وقائع وبراهين” عبر إذاعة ومنصة الأمة، أطلق النائب والوزير السابق مصباح الأحدب سلسلة من المواقف اللافتة، تناول فيها التطورات في سوريا، الوضع الأمني في طرابلس، ومستقبل الشمال، أزمة الدولة اللبنانية، وسلاح حزب الله، مطلقًا تحذيرات واضحة من مشاريع تفتيتية، واستغلال لطرابلس كصندوق بريد للرسائل الأمنية.

الأحدب استهلّ حديثه بالإشارة إلى أنّ ما يجري في السويداء هو جزء من مخطط لتفتيت سوريا. وبرأيه، فإن هذه الوقائع ليست مجرد احتجاجات، بل هناك مشروع تفكيكي يُحضّر للمنطقة، بدأت ملامحه تظهر أكثر فأكثر. وأكد أن الخطير في الأمر هو سعي قوى دولية وعربية لإبقاء النظام السوري دون أن يكون حاكمًا فعليًا لكل الجغرافيا السورية، مما يشرعن تقسيمًا فعليًا على الأرض.

وأشار الأحدب إلى أنَّا نعيش مرحلة انتقالية حساسة جدا، وما كان يهمس به أصبح يقال علنًا، بأن هناك إعادة تشكيل للمنطقة، والكلام يزداد عن “شرق أوسط جديد”. فعليًّا هناك الكثير من الأمور تتحرك في المنطقة. وما جرى في السويداء غير مريح، كما ما حدث في الساحل السوري، كان غير مريح، وأثبت أن هناك سلطة، ولكن هناك فصائل لا تضبطها السلطة، لأنه ما رأيناه ليس حكمًا، ليست مصلحة السلطة – سلطة الشرع. فمن هاجم، ومن عمد إلى “قص الشوارب” لمشايخ أجلاء، هؤلاء بالتأكيد لم يعملوا ولن يعملوا لمصلحة سوريا ولا لمصلحة السلطة الجديدة في سوريا، ولا لمصلحة الشرع. نعم، هؤلاء يعملون لمصلحة زعزعة الوضع في سوريا ويعملون لمصالحهم الخاصة في سوريا.

وقال “بالطبع، هذا الأمر غير مطمئن، لأنَّ هناك من يريد تقسيم سوريا، في حين نرى أن هناك، ومع ذلك، هناك رؤية واضحة للإيفاء على سوريا كما هي عليه اليوم. وعلى ما يبدو، هناك أيضًا غطاء دولي لهذا الاتجاه”.

 نريد الانتماء إلى لبنان.. ولكن ليس بهذه الطريقة

وردَّ النائب والوزير السابق مصباح الأحدب على المواقف التي صدرت والتصريحات السياسية من بعض الأوساط في طرابلس، التي تحذر من مخاطر انعكاس ما يجري في سوريا أو انفلات الوضع في طرابلس والشمال، متهماً الكثير ممن كانوا في السلطة أساسًا بالمسؤولية عن ذلك. وأوضح أن المواجهات في الفترات السابقة كانت منظمة، ولكن حصلت بعض التحركات من قبل بعض السياسيين اللبنانيين.

وأشار الأحدب إلى أن هناك من سعى إلى تأسيس جيش ليقطع الحدود ويقتل، وبعضهم من الدروز، مؤكدًا أن هذا بالطبع حدث في مناطق أخرى، ونتجت عنه ردّات فعل في تلك المناطق، وهو ما يجب تفاديه، لأنّه لا يجوز أن نضع لبنان في حالة أمنية داخلية معلقة. وشدّد على أنه إذا كان هناك قرار لتقسيم سوريا، لكانت الأمور قد تحركت في الجبهات الأخرى، في الساحل السوري، وخاصة في المنطقة الكردية التي فيها أكبر جيش ومدججة بالسلاح.

وأضاف: “فإذا كانت النية تقسيم سوريا، لتحرّكت الأمور في هذه المناطق بقوة أكبر. لكن حكما يجب أن تُدار الأمور في هذه المرحلة الانتقالية الحالية بحكمة، وهي مرحلة صعبة وخطيرة، ويجب أن نتحلى بالصبر ة والهدوء والرؤية لتفادي الإشكاليات في هذه المرحلة، خصوصًا في مناطقنا اللبنانية مثل طرابلس. ونحن نسمع بعضهم اليوم يقول: ’ سنأخذ طرابلس لنضمها إلى منطقة أخرى..  وإلخ”.

وتوقف الأحدب عند اللافت في الأمر، وهو أن الصحافة الإسرائيلية هي من تحدثت عن ذلك أولاً، ثم جاء حديث الموفد السامي، وهو المسؤول عن المنطقة، الذي حذّر من أن طرابلس قد تعود إلى بلاد الشام.

ولاحظ الأحدب أن لا رئيس الجمهورية تحرّك وصرّح، ولا رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب، مشددًا على أن أحدًا لم يعلّق. وقال: “ما لفتني هو أننا في الداخل اللبناني، في طرابلس، نعلم أنه قد يكون هناك في الداخل اللبناني، بعض من هو موجود في السلطة اليوم ولا يريد طرابلس على الخارطة اللبنانية، ولكن نحن في طرابلس نريد أن ننتمي إلى لبنان، ولكن ليس بهذه الطريقة، بكل صراحة ووضوح”.

ولفت إلى أننا هذا ما نعمل عليه ونقوله منذ أكثر من 20 عامًا. إذ يجب أن يكون هناك مساواة في التعامل مع المواطنين في لبنان، في ظل وجود 18 طائفة، فالجميع في لبنان أقليات، ويجب أن يكون الجميع محميًا من قبل مؤسسات دولية، وألا تكون هناك مؤسسات دولية تحمي المجموعات المسلحة بحجة حماية الطوائف”.

لا رؤية جديدة.. والدولة بقبضة تحالف يكرّس المساومة

في مسألة قراءته الواضحة لأداء العهد الجديد، اعتبر الأحدب أن الخطاب الرسمي وخطاب القسم في واد، والواقع الذي نعيشه اليوم هو استمرارية لحكم ميشال عون، وهذا على كل المستويات. فليس هناك رؤية جديدة لملمة البلد ، هنالك استمرارية وكسب للوقت وأن ما يجري اليوم هو استمرار لنهج الحكم السابق، دون أي رؤية جديدة لمعالجة أزمة البلد. وأكد أن ما نشهده هو مجرد كسب للوقت لصالح السلطة الحاكمة، أي الدولة العميقة التي ترسخت منذ فترة.

وأشار الأحدب إلى أنه بعد خروج النظام السوري من لبنان، لم يكن هناك ضابط أو مسؤول سياسي إلا واضطر للتعامل معه، فإما كان سيقتل أو يزاح. لكن اليوم، وبعد خروجهم ظهر التحالف الرباعي، وبات “الحزب” هو من استلم زمام الحكم.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن الدولة أصبحت غائبة فعليًا، فلا مؤسسات، بل هناك فريقان رئيسيان يحكمان البلد: الثنائي الشيعي، إلى جانب العونيين، وضمن اتفاقات مرحلية مع شركائهم في السلطة. وأعاد التذكير بثلاثية الترويكا التي كانت تشكّل سابقًا قاعدة للحكم، لكنها اليوم لم تعد قائمة كما كانت.

واعتبر أن التعيينات الجارية اليوم لا تقوم على معايير شفافة، فليست هذه الآلية التي تحدث عنها رئيس الحكومة، بل على مساومات سياسية مكشوفة.

وأكد الأحدب أن لبنان لا يمكن أن يُبنى البلد بهذه الطريقة، ولا يمكن الخروج من الأزمة، فلا يمكن أن يكون لديك أجندة لبنانية، إذا لم يكن هناك توحيد للصف الداخلي، وغير مقبول وغير منطقي أن يوحد الصف الداخلي بتثبيت الخلل القائم بحجة الواقعية. وشدد على أن التغيير بحاجة إلى وضوح بالرؤية وإرادة جامعة.

وفي معرض حديثه عن علاقة الدولة بالحزب، في السابق خلال الثورة والتغيرات قال: “كنا نحن من نتوجه إلى الحزب ونقول له: دعنا نقف معك ضد إسرائيل، ولكن في نفس الوقت لا يمكن أن أكون معك  لماذا تعتبرني في الداخل عدوًا أو تكفيريًا؟ هذه العقلية هي المشكلة التي لم تتغير، رغم تغيّر المعطيات وموازين القوى كلها قد تغيرت”.

وأكد أن على الدولة، وخصوصًا رئيس الجمهورية والحكومة، أن يتحمّلوا مسؤولياتهم ويعالجوا الأخطاء البنيوية القائمة، وإلا فلن يكون هناك توحيد للصوت، ولا للصف الوطني.

واعتبر الأحدب أن أولوية السلطة في هذه المرحلة هي كسب الوقت، ورئيس الحكومة ليس في موقع المواجهة. وقال إن رئيس الحكومة لا يمسك بالملف التنفيذي فعليًا، والاعتراض الوحيد الذي عبر عنه كان من باب تسجيل الموقف، لا القدرة على التأثير.

وأضاف أن الدولة العميقة اليوم تتمثل في تحالف ثنائي مع العونيين وحلفائهم، وبعض المعارضين لهم بمن فيهم القوات اللبنانية والحزب الاشتراكي الذين لا يزالون يحصلون على حصصهم من التعيينات، وحتى حصة من “الأمن”.  في المقابل هناك المعارضة التي تشكلت عام 2017، وأغلبيتها من جماعة “كلنا إرادة”، ورغم رغبتها في مواجهة الفساد حينها في مواجهة أحزاب الفساد في السلطة، لكنها اصطدمت حينها بسقف السلطة القائم، وهو “حزب الله” والسيد حسن نصرالله الذي يملك أكثر من 100,000 صاروخ، والدخول لتحرير القدس، ووجود غطاء دولي وأميركي، حتى في عهد الرئيس جو بايدن، حيث اعتبر البعض حينها أن “التفاهم الواقعي” هو الخيار الوحيد.

اليوم هناك خلاف بين هذين الفريقين يشمل كل شيء، ما عدا المساومة مع الحزب، والأولوية لديهم هي الانتقال من دولة يسيطر عليها حزب الله إلى دولة مؤسسات مجددا، وهذه لم ولن تحدث لولا الضغط الخارجي، ونلاحظ أن رئيس الوزراء يتجاوب أكثر حاليا لأن الضغط يتزايد، معربًا عن اعتقاده بأن رئيس الجمهورية أيضًا، وسائر القوى السياسية، سيتجاوبون في النهاية أمام تسارع المتغيرات.

تعيينات كيدية وتحالفات تكرّس الطائفية.. وملف الموقوفين الإسلاميين والسوريين شاهد على انهيار العدالة

من جانب آخر اتهم النائب والوزير السابق مصباح الأحدب جهات في السلطة بالسعي إلى التمسك بالحكم من خلال التعيينات في المراكز القضائية والعسكرية والإدارية، مشيرًا إلى أن الولاء المطلوب لم يعد للوطن، بل لمن عيّنهم. واعتبر أن هذه التعيينات لا ترتقي إلى مستوى المرحلة، لأنها تستند إلى التمسك بالماضي، في حين أن الواقع تغيّر، ولم يعد هناك غطاء لهذا الماضي: لا النظام السوري موجود، ولا إيران كما كانت، والسياسة الأميركية تبدلت، وموازين القوى في المنطقة تغيّرت.

ولفت الأحدب إلى أن ما نعيشه اليوم هو إشكالية حقيقية، وأن مدينة طرابلس، التي لطالما دفعت الثمن، لا تزال تعاني من هذا النهج الإقصائي والسياسي القائم على التمييز. فطرابلس غير راضية عن التعيينات وذلك لأننا أكثر منطقة ظلمت في لبنان بحجة التحالف القائم.

وأوضح أن التحالف القائم منذ سنوات كان يتم تبريره على أساس أنه “تحالف أقليات في مواجهة السنّة في لبنان”، مؤكدًا أن هذا الطرح وقح وعنصري، وقال، كانوا يقولون ” لبنان المشرق المسيحي. وأنا أرفض أن يكون لبنان لا إسلامياً ولا مسيحياً. نريد لبنان فيه 18 طائفة تعيش معًا. لا أحد فوق الآخر، ويجب أن نكون جميعا محميين من قبل الدولة، لا أن تكون الدولة أداة بيد من يسيطر على الحكم”.

وفي حديثه عن التعيينات، أشار إلى استمرار النهج الكيدي، حتى في التعيينات الأمنية، رغم أن بعضها شمل وجوهًا جيدة. لكنه شدد على أن الأدوات المستخدمة تدل على أن الجهة المسيطرة لا تزال تمارس نفوذها بالكامل.

في مجال التعيينات الأمنية، فعليا تم استبدال بعض الوجوه، ولكن ما هي الأدوات التي بين أيديهم، استطاعوا أن يحدثوا لعض التغيير، وهي شكليات، لكن الذين لا زالوا يفرضون الخوات على الأرض والتجاوزات لا زالوا في أمكنتهم، وهذا لب المشكلة.

وفي سياق متصل، تناول الأحدب قضية توقيف العميد أمين حمود والوزير السابق أمين سلام، معتبرًا أن ما يحدث يتجاوز القضايا المعلنة التي أوقفوا بسببها. وقال: “نسمع ونرى حملات تطالب بالحرية لعميد حمود، ولكن هناك أيضا من أمضى عشر سنوات أو أكثر في السجون ولم يطالب بهم أحد. نتحدث عن الموقوفين الإسلاميين الذين قضوا سنوات طويلة في السجن”.

وأوضح أن هؤلاء الموقوفين يُطلق عليهم توصيفات مثل “الإسلاميين “، لإخافة الناس من الدفاع عنهم، ويقال: كيف تدافع عن جماعة متطرفة، وغير ذلك”.. “نحن لا ندافع عن المتطرفين، بل عن المظلومين. لأعطيك فكرة بشأن ملف بعض المنتمين إلى فتح الاسلام: عندما بتَّ بالملف اتضح أنه بعد أربعة عشر سنة من السجن. تبيّن أن 45 شخصاً أمضوا 14 سنة وخرجوا ببراءة. هذا ملف يجب أن يُفتح. لماذا لم يُفتح؟ هل رأينا من اعترض، أو اعتذر منهم والخ، وحتى من بعض الذين يناشدون للإفراج عن العقيد حمود، مع العلم أن الملف الذي أوقف بسبب العميد حمود لا يجوز أن يتم توقيفه من أجله، فالموضوع تافه. أما ما يقال عن أن لديه ملفات سابقة كالقول بدعم مجموعات مسلحة والخ.. تجرأوا وافتحوا هذا الملف، لكنهم لن يجرؤوا على ذلك، لأن هذا سيطال أناس آخرين، ولذلك أنتم أوقفتموه ظلما وعدوانا

ولكن بالنسبة للحملات التي تجري اليوم، لو قامت في الأساس، ووقفوا إلى جانب الذين كنا نقف إلى جانبهم ونؤازرهم، ونواجه من اجل العدالة بدل أن يقفوا في وجهنا حينها، ولو أعلنوا أنه لا نقبل أن يتم التعامل معنا بهذه الطريقة لما كنا وصلنا إلى   ما وصلنا إليه اليوم.

وحول العدالة غير المنصفة، وغير الموحدة، وموضوع الموقوفين السوريين، والكلام عن اعتراض رسمي سوري وخطوات قد تتخذها الحكومة السورية، والتناقض القانوني والحقوقي كبير الذي برز أخيرًا، والذي تمثل في الإعلان عن أن جبهة النصرة لم تعد منظمة إرهابية، ما يطرح تساؤلات حول من سُجنوا بناء على تلك التصنيفات، أشار الأحدب، إلى أن التاريخ يثبت أن كل من لم يكونوا في الحكم هم إرهابيين، ومن يتولى الحكم يصبح دولة، من اجل ذلك تقام العدالة الانتقالية، لأن هناك عملية تحول. عندنا لم يتغير،  فالذين كانوا في السجن -الموقوفين السوريين سُجنوا فقط لأنهم كانوا ضد نظام الأسد.

وأضاف: اليوم يقال: “الملف يوصف بأنه معقد، أوافق على ذلك، لكن يجب وضعه على الطاولة. لا نريد أن يكون هذا الملف محرمًا. من غير المنطقي ألا يُطرح الموضوع بجدية. الجانب السوري يطالب بالإفراج عنهم، ويقول أن هؤلاء مسجونون لأنهم كانوا من مؤيدين للثورة..

وأوضح أن المطلوب مناقشة الأمر بشأن كل ملف، ولكن هذا لا يحدث البتة. لماذا: لأن البعض ما زال يعتبرهم إرهابيين، مضيفًا: “إذا كنت تعتبرهم إرهابيين، فمعنى ذلك أنك تعاديه للنظام الجديد في سوريا.

وذكّر بتوقيعه على مطلب خروج المخابرات السورية من لبنان، مؤكدًا أن النظام السوري مارس قمعًا ممنهجًا ضد المعارضين اللبنانيين، وتعامل معهم مع هؤلاء على أنهم إرهابيون لمجرد أنهم عارضوه.

وأكد الأحدب على أن الدولة يجب أن تثبت حضورها ودورها لحقيقي، قائلاً: “حين نتحدث عن دور الدولة، فنحن نقصد الدولة التي توحّد الشعب، لا الدولة التي تدعم الإقصاء وتحرّض على الفتنة، فالإقصاء هو التحضير للفتنة بحد ذاتها”.

سلاح غير شرعي وتحالف فساد وطوائف يحكم لبنان.. وطرابلس تدفع الثمن

ورأى أن هناك من لا يزال في لبنان يعيش على وهم أن شيئًا لم يتغير في سوريا، وينطلق في مواقفه من هذا الانفصال عن الواقع. وأكد أن هناك من يعمل خلف الكواليس لتمكين حزب الله داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، مشيرًا إلى أن النفوذ لم يعد محصورًا بالسلاح، بل بات موجودًا في القضاء، والإدارة، والمؤسسات الأمنية.

واستعاد الأحدب حادثة من عام 1996، حين طُرح موضوع الحضور في المدارس خلال جلسة للجنة التربية، وكان يُنظر إلى شهداء حزب الله على أنهم شهداء الأمة، وكأن الانتماء ليس إلى لبنان بل إلى “صاحب الزمان”. وقال: “تخيّل، هؤلاء الأشخاص باتوا في مواقع مفصلية. نرى اليوم رئيس المحكمة العسكرية يظهر على وسائل التواصل ويتحدث عن إيران والحزب دون أن يذكر لبنان إطلاقًا. هذا نموذج عمن يهيمن على قلب الدولة، ويحولها إلى أداة طائفية”.

وأكد الأحدب، ابن طرابلس، أنه مواطن لبناني قبل أي انتماء مناطقي أو طائفي، ويهمه أن يكون شريكًا في الدولة، لا هامشيًا فيها. واعتبر أن الحل الوحيد يكمن في سحب السلاح غير الشرعي، ولكن ذلك لا يتم بالقوة، بل من خلال المؤسسات الشرعية وعلى رأسها الجيش اللبناني.

وأضاف: “هم يقولون إنهم مستعدون لتسليم السلاح في حال تم التوصل إلى تسوية شاملة. ولكن لنكن واضحين: هذا الفريق يسيطر على القرار السياسي من الخارج، ثم يُعاد إنتاجه في الداخل. هنا تكمن المعضلة”.

لا أحد يحتكر تمثيل طائفة

وأشار الأحدب إلى أن حصر التمثيل الشيعي بجماعة مسلحة أمر مرفوض، وقال: “لا أنكر تضحيات أحد، ولكن هل الدولة تحمي الشيعة ككل؟ أم تحمي الميليشيات فقط؟ هناك شيعة غير مسلحين، وهناك كفاءات في كل الطوائف، لكن من يحكمنا اليوم هم من يرتبطون بأجندات خارجية”.

واعتبر أن قيام دولة حقيقية في لبنان يتطلب أجندة وطنية واضحة تنهي الثنائية بين السلاح غير الشرعي والفساد، واصفًا التحالف بين الاثنين بأنه ما يُمسك بالحكم. “يختارون رؤساء الحكومات وفق مصالحهم، ويعطونهم التزامات، ثم يفرضون ما يشاؤون”.

وتابع: “يقولون إن طرابلس بدأت المعارك. لكن من سلّح الشباب؟ من فجّر المعارك في قلب المدينة؟ كل الملفات موجودة. حين حذّرنا سابقًا، قيل إننا نبالغ، واليوم يكرر الآخرون كلامنا نفسه”.

الواقع السني والتهميش المتعمّد

وأكد الأحدب أن الواقع السني مستهدف بشكل ممنهج، مضيفًا: “تخيّل أن يُطلب من أبناء السنة التنازل عن حقوقهم الدستورية. نحن مكون أساسي في لبنان ولسنا أقلية هامشية. حين تُوزع المراكز، تُمنح لحلفاء أمل وحزب الله وتُقصى الأطراف الأخرى”.

وشدّد على أن الإقصاء الإداري والإنمائي والسياسي أصبح قاعدة، مضيفًا: “ثم يُقال لنا: تعالوا وابنوا الدولة! كيف؟ وأنت تُعامل كمواطن من الدرجة الثالثة؟ وإذا رفعت صوتك تُزج في السجن؟”.

ورأى أن جميع الطوائف تشكو من الغبن، سواء المسيحيين أو الدروز أو الشيعة، مما يدل على أن الهيكل اللبناني برمّته مفكك. وأشار إلى أن “من لا ينتمي إلى التيارات الكبرى داخل طائفته يُقصى بالكامل. المسيحي المستقل، والشيعي غير المنتمي للحزب، والسني غير المرتبط بتيارات السلطة.. كلهم مهمشون”.

طرابلس.. ساحة استهداف دائم

أعاد الأحدب تسليط الضوء على السياسات التي همّشت طرابلس، قائلًا: “منذ النظام السوري، كانت طرابلس مستهدفة. تفجيرات، تهجير، ودمار، تحت ذريعة مواجهة التطرف. اليوم يُسوّق لنظرية وجود خطر داعشي في الشمال مقابل خطر صهيوني في الجنوب. هذا خطاب زائف”.

وتابع: “كل الطوائف فيها متطرفون. لا يجوز استخدام هذه الذريعة للإبقاء على السلاح في يد فئة واحدة. الدولة اليوم تُزَج في نزاعات إقليمية لا علاقة لنا بها”.

وانتقد الأحدب بقاء السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، مشيرًا إلى أن مواعيد سحبه تم تجاهلها عمدًا، وقال: “السلاح الفلسطيني مرتبط اليوم بمحور سياسي متحالف مع الحزب، وإيران، والنظام السوري. ولولا هذه التغطية السياسية، لما بقي”.

وأكد أن الاشتباكات والضربات التي حصلت سابقًا أكدت وجود حماية واضحة لهذا السلاح، وأن المنظومة المسلحة المتعددة في لبنان تُستخدم للحفاظ على الهيمنة، وحماية المتورطين في ملفات فساد أو انتهاكات.

تحالف السلاح والفساد هو من يحكم لبنان

وشدد الأحدب على أن من يحكم لبنان هو هذا التحالف بين السلاح غير الشرعي والفساد. يختارون رئيس الحكومة، يعطونه التزامات، ويتركونه واجهة، ثم يُقال لطرابلس إنها من بدأت المعارك! لكن من سلّح الناس؟ من فجّر النزاع؟ نحن لم ننسَ”.

وأشار إلى أن تكرار كلامه من قبل الآخرين اليوم يؤكد أنه كان محقًا منذ البداية. “إذا أردنا أن نعيد ضبط الوضع، خصوصًا في مناطقنا المستهدفة، فعلينا الاعتراف بالحقوق. لا يمكن لأحد أن يطلب من السنّة التنازل عن حقوقهم الدستورية”.

واعتبر أن “التهميش الذي نشهده ليس عفويًا. ما فعله القاضي حمزة شرف الدين خير دليل. يتم إقصاء غير المرضي عنهم من المراكز الإدارية، ويتم تكريس صورة اللبناني اليائس. لكننا نرفض ذلك. نحن مكوّن أساسي، ولسنا ضيوفًا في بلدنا”.

طرابلس بين التهميش التاريخي وخنق التمثيل الشعبي: هل من أفق للإنقاذ؟

وأشار الأحدب إلى أن طرابلس، كبرى مدن شمال لبنان، تشهد موجة من القلق والتوتر وسط مشهد سياسي معقّد وتاريخ طويل من التهميش والصراعات. وقال الأحدب، اليوم تتكشف أبعاد الأزمة المركّبة التي تعانيها المدينة، والتي تتراوح بين تغييب متعمّد عن القرار المركزي، وهيمنة قوى سياسية تستثمر في الانقسام الطائفي، وتوافقات فوقية تُقصي التمثيل الشعبي الحقيقي.

ورأى الأحدب أن ما حصل في الانتخابات البلدية في طرابلس أخيرًا لم يكن تعبيرًا عن إرادة الناس، بل نتيجة تفاهمات فوقية خنقت التمثيل الشعبي وأبعدت المواطنين عن القرار. “كان لنا موقف واضح لأننا نعلم أن الحل يبدأ من تمثيل حقيقي، لا من تفاهمات تُبرم بين القوى النافذة على حساب الناس”.

وأوضح أن بعض السياسيين يتصرفون وكأنهم أوصياء على المدينة، ويرفضون أي شكل من أشكال التمثيل المدني أو النقابي إن لم يكونوا جزءًا منه، “وكأن الحياة السياسية يجب أن تتوقف عند حدود نفوذهم”. لكنه أشار إلى بارقة أمل تمثلت في فوز مرشحين شباب مستقلين أظهروا وعيًا سياسيًا جديدًا، يمكن أن يشكل نواة لتغيير فعلي، شرط أن تُمنح المدينة دعمًا حقيقيًا من الدولة المركزية.

مجلس إنماء الشمال.. مشروع بلا نتائج

وعن مجلس إنماء الشمال، قال الأحدب إنه مجرد واجهة لم تحقق أي إنجاز ملموس،  بدليل أنني أنا شخصيا لم أسمع به، رغم مشاركة شخصيات بارزة من المجتمع المدني فيه. وأرجع ذلك إلى غياب المصداقية السياسية، معتبرًا أن “أي محاولة للإنقاذ لن تنجح إن لم ترتكز إلى قيادة صادقة، ورؤية إنمائية شاملة، تستعيد ثقة الناس”.

ورأى أن طرابلس كانت ضحية خيارها الوطني والتاريخي، إذ عوقبت منذ تأسيس لبنان الكبير عام 1920 بسبب رفضها الانضمام إلى الدولة اللبنانية، وميلها للارتباط بالمملكة العربية بقيادة الملك فيصل. “منذ ذلك الحين، وُضعنا تحت المجهر، وتم تصويرنا كخطر دائم”.

واعتبر أن المدينة تعرّضت لحملات ممنهجة لتشويه صورتها وربطها بالتطرف، رغم أنها مدينة ذات نسيج ديني متنوّع، وتاريخ صوفي معتدل. ولفت إلى دخول السلفية إلى المدينة في ستينيات القرن الماضي، محذّرًا من أن غياب الرقابة المركزية حينها، وعمليات تهجير ممنهجة، أدّيا إلى تغيير ملامح التوازن السكاني والاجتماعي.

المسؤولية جماعية… لكن الدولة غائبة

أكد الأحدب أن ما تعانيه طرابلس اليوم ليس طارئًا، بل نتيجة تراكمات متراكبة من الإهمال المتعمد من الدولة اللبنانية. وقال إن مسؤولية ما حصل لا تقع على السلطة المركزية فقط، بل أيضًا على السياسيين الذين مثّلوا طرابلس، “بعضهم ما زال يقدّم نفسه كزعيم سنّي، ووريث لرئاسة الحكومة، رغم فشل كل التجارب السابقة”.

وتابع: “طرابلس ليست بحاجة إلى زعامات وراثية، بل إلى مشروع وطني جامع. المدينة لا تُبنى بالخطابات، بل بالإنصاف في التمثيل، والاستثمار الحقيقي في الإنسان والاقتصاد، وبكسر احتكار النفوذ”.

في الخلاصة، اعتبر الأحدب أن الحل يبدأ من استعادة القرار الشعبي الحقيقي، وتحقيق عدالة في توزيع الموارد والمواقع، وإنهاء الثنائية القاتلة بين السلاح غير الشرعي والفساد. “طرابلس ليست صندوق بريد لأحد، ولا ساحة تصفية حسابات إقليمية. إنها مدينة لبنانية من الطراز الأول، آن أوان إنصافها”.

عن الانتخابات النيابية والحكومة المقبلة

قال الأحدب ثمة محاولات يُنظر إليها على أنها تهدف إلى إعادة إنتاج نفس الطبقة السياسية، ما من شأنه أن يعيد البلاد إلى المربع الأول، وهناك محاولات لوصف الحكومة الحالية بالانتقالية، وإن لم تقم بدورها المطلوب، وهناك حاجة إلى تشكيل حكومة جديدة قادرة على إدارة المرحلة تصبح ضرورية، ولهذا رأينا كيف أن البعض وضع أمر الثقة للحكومة في الجلسة ألخيرة لمجلس النواب. وهناك من يروج لفكرة أن موضوع السلاح يُعتبر من القضايا التي لا يمكن حسمها من خلال هذه الحكومة أو رئيسها.

في كل حال هذا الكلام يحمل أبعادا وأهدافا لإعادة انتاج من هم كانوا وراء وصول الأزمة إلى هذا الحد. وأضاف: لا الرئيس نجيب ميقاتي ولا الرئيس نواف سلام يملكان القرار الفعلي في هذا الشأن، بل إن المبادرة يجب أن تأتي من الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة، ويُفترض أن يُبحث هذا الملف مع حزب الله مباشرة.

رسالة إلى السياسيين وحلفاء الأمس

المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة حقيقية للأخطاء والانطلاق من جديد. لا يمكن لمن ارتكب أخطاءً جسيمة في الماضي أن يتهرّب من المسؤولية. المطلوب الآن هو صحوة سياسية تبدأ بمحاسبة الذات، وتنتهي بمشروع إنقاذي يعيد للمدينة دورها ومكانتها.

وعن موقع السياسي الحالي، قال: هو لا يزال الموقع الملتزم بقضايا المدينة، ويأتي من ضمن تيار وطني إصلاحي حقيقي، بعيدًا عن المحاصصة الطائفية والتحالفات المصلحية.

طرابلس… مدينة تنتظر فرصة جديدة

وشدد الأحدب على أنه رغم التحديات المتراكمة، لا تزال طرابلس تختزن طاقات بشرية وثقافية هائلة، وما زال أبناؤها يراهنون على مستقبل مختلف، شرط أن تُرفع عنها يد الإقصاء والتهميش.

ورأى أن محاولات تهميش المدينة والحد من دورها السياسي والاجتماعي ما زالت قائمة. ثمة من يسعى لتقزيم طرابلس عبر الادعاء بعدم وجود كفاءات فيها، رغم أن الواقع يعكس خلاف ذلك. المدينة غنية بالكفاءات من محامين وناشطين وشباب مؤهلين قادرين على خوض الاستحقاقات السياسية المقبلة، لكن هذه الكفاءات لا تجد من يسلّط الضوء عليها أو يتيح لها الفرصة للظهور.

وأشار إلى أن طرابلس بحاجة إلى نوعية معينة من المرشحين، وهناك ائتلاف يعمل حاليًا على بلورة رؤية سياسية جديدة تهدف إلى تقديم بدائل حقيقية ووجوه جديدة في الانتخابات المقبلة. ليس فقط في الانتخابات النيابية، بل أيضًا في التعيينات الإدارية، يجب أن يكون لأبناء طرابلس موقعهم، ولا يمكن قبول استمرار الإقصاء. المطلوب أن يُنظر إلى الكفاءات لا إلى المحسوبيات والولاءات.

المدينة تملك إمكانات طبيعية واستراتيجية هائلة، من مطار ومرفأ ومعرض رشيد كرامي الدولي، فضلًا عن موقع جغرافي فريد. ما حدث هو قرار سياسي بتهميشها وإفقارها، وهو ما يُعد أمرًا غير مقبول. القرار السياسي يجب أن يكون مستقبليًا يهدف إلى تفعيل دور المدينة، لا إلى إقصائها. وطرابلس ليست مدينة طائفة واحدة. صحيح أن هناك أغلبية سنية، لكنها مدينة لكل مكوناتها، ولا تُلغي أحدًا، بل تفخر بتنوعها الاجتماعي.

نموذج بديل ومسار تغييري

وختم الأحدب حديث بالقول: البديل المطلوب يقوم على وجوه جديدة وبرامج واضحة، إذ إن الناس بحاجة إلى الاقتناع بأن لصوتهم قيمة فعلية. الانتخابات الماضية حملت شبهات كثيرة، حيث صدرت مخالفة قانونية من أحد القضاة في عام 2018 شكّك فيها بشرعية النتائج. الثورة التي اندلعت لاحقًا كشفت خللًا في قواعد اللعبة الانتخابية، مما يستدعي تغيير هذا الواقع، والعمل إلى جانب رئيس الحكومة الحالي الذي يتمتع بسيرة نظيفة وشخصية مشرفة. فلا يمكن تحقيق الانتصار السياسي إذا استمر 80% من الناس في العزوف عن الانتخاب والاقتراع. المطلوب مشاركة إضافية من 10 إلى 15% من الناس الصامتين لتغيير المعادلة. كل صوت مهم، وكل مواطن عليه مسؤولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى