مجتمع

ميراث مرهق

ريما فارس / موقع الأُمَّة /

العادات في المجتمع هي كالماء الذي نشربه، قد يكون نقيًا فيروي ظمأنا وينعشنا، وقد يكون ملوثًا فيؤذينا دون أن نشعر. هي تترسخ في النفوس مع الزمن حتى تصبح جزءًا من الهوية، ولكن هل كل ما اعتدنا عليه صائب؟ هل كل ما ورثناه عن آبائنا يحمل الخير؟ أم أن بعضها كالأغلال التي نقيد بها أنفسنا دون أن نعي؟

في مجتمعاتنا، نجد أن بعض العادات تساهم في بناء مجتمع مترابط ومتراحم، كتقديم العون للفقراء وإكرام الضيف وصلة الرحم، وهذه العادات ليست مجرد موروث اجتماعي، بل هي تأكيد لقيم دينية عظيمة. قال رسول الله ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه”، وهذه العادة عندما تستمر تعزز الألفة بين الناس وتزيد المحبة، فيكون الدين هو الحاضر حتى في التفاصيل الصغيرة.

لكن ماذا عن العادات التي نظن أنها نافعة، وهي في حقيقتها هادمة؟ عندما يغالي الناس في المهور ويتباهون بحفلات الزواج الباذخة، متناسين قول النبي ﷺ: “أَعظمُ النِّساءِ بركةً أيسرُهنَّ مؤنةً”، فهل نحن نتبع السنة، أم نتمسك بالمظاهر التي ترهق كاهل الشباب وتؤدي إلى عزوفهم عن الزواج وانتشار العلاقات غير المشروعة؟ هنا تصبح العادة سببًا للضرر لا للنفع، رغم أن المجتمع يستميت في الدفاع عنها بحجة “الناس هيك بتعمل”، وكأن الجماعة تعطي الخطأ صفة الصواب!

وإذا تأملنا في بعض العادات، نجدها لا تكتفي بكونها ضارة، بل تتناقض مع تعاليم الدين، كعادة الغيبة التي تحولت إلى مجرد “حديث عابر”، رغم أن الله عز وجل صورها بأنها “كأكل لحم أخيه ميتًا”، ومع ذلك، تجلس المجالس وتدور الأحاديث، ولا أحد يفكر أن هذا الفعل قد يكون أثقل على الميزان من الذنوب التي نعتبرها كبائر.

والأخطر من ذلك، عندما تتحول العادة إلى حكم يسيطر على المجتمع، كأن يُحكم على المرأة بأنها لا تصلح إلا للبيت، بينما الإسلام جعل من السيدة خديجة تاجرة دعمت الدعوة، ومع ذلك، نجد أن كثيرًا من النساء تحرم من حقوقها لمجرد أن “العرف لا يسمح”! وهنا يصبح السؤال: هل نحن نلتزم بما أمر به الله، أم بما صنعته أيدي الناس؟

والمفارقة أن بعض العادات تظل مستمرة فقط لأن الناس تخشى التغيير. فتجد البعض يتمسك بها رغم معرفته بضررها، لا لشيء إلا لأنها “هكذا وجدت”، مع أن النبي ﷺ جاء ليغير المفاهيم الباطلة، ولم يقبل أن يسير مع القطيع، فهل نحن أحرص على عاداتنا من حرص قريش على أصنامها يوم جاءهم الإسلام؟

إن التمسك بالعادات لمجرد كونها “موروثة” ليس سببًا كافيًا لبقائها، بل يجب أن نقيسها بميزان الدين والعقل، فما وافق الحق كان جديرًا بالاستمرار، وما خالفه وجب تصحيحه أو استبداله. وإلا، فإننا سنظل ندور في دائرة مغلقة، حيث نظن أننا نحافظ على هويتنا، بينما نحن في الحقيقة نبتعد عن جوهر ما أراده الله لنا، وكما قال تعالى: “إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى