برامج

نعمة محفوض في حوار مع منصة الأمة

منصة الأمة: خاص

رأى نقيب المعلمين في المدارس الخاصة في لبنان نعمة محفوض، ان قطاع التعليم في لبنان يعاني انهيارا شاملا بسبب للسياسات المتبعة، والانهيار الشامل للدولة، وان لا حلول لهذه الزمة إلا بإيلاء التعليم الأولوية على ما عداه وتحسين ظروف المعلمين في القطاعين الخاص والرسمي، واستعادة العمل النقابي من أيدي الذين صادروه، واختطفوه لحساب أحزابهم، ودعا إدارات المدارس الخاصة كي تقوم بواجبها تجاه جهازها التعليمي وحماية حقوقه دون انقاص، رافضا أية محاولة التفاف على القرارات الرسمية التي صدرت بهذا الشأن.

وفي موضوع أزمة التعليم بين ضغط الأقساط وتحديات التعليم الرسمي في لبنان

لفت محفوض إلى أنّ “النقاش حول مستقبل التعليم لم يعد يحتمل التأجيل”، مشيرًا إلى أنّ السنوات الخمس أو الست الماضية شهدت محاولات غير مكتملة لمعالجة الملف مع وزارة التربية، “لكننا اليوم أمام فرصة للعودة إلى برنامج طبيعي، يعتمد خمسة أيام تعليمية متواصلة، بعدما خسر الطلاب أعمارًا من أعمارهم في انتظار إصلاح المنهج”.

وشدّد على أنّ “الوضع المالي الخانق يفرض على المعلمين في التعليم الرسمي الاكتفاء بأربعة أيام تدريس بدل خمسة، إذ يطالبون بزيادة دعم حكومي يتيح لهم الاستمرار”. وأجاب ردًا على سؤال حول انعكاس هذه الأزمة على المناهج: “نعم، قد يحدث تقليص بسيط، لكن الأمل أن يبقى ضمن الحدود المقبولة، لأنّ المشكلة الأعمق سياسية واقتصادية، ولا يمكن فصلها عن أزمات البلاد”.

وحول موقف رئيس الجمهورية من موضوع الأقساط المدرسية والرافض لمحاولة رفعها، قال محفوض: “الحلّ الجذري هو في تعزيز التعليم الرسمي وإعادته إلى ما كان عليه في السبعينات، حين كان يستقطب نصف الطلاب. فما لم تستثمر الدولة في هذا القطاع، سيبقى التعليم الخاص يفرض شروطه من دون رادع”.

وأشار أيضًا إلى أنّ “الوضع الحالي لا يسمح لأي دعوات شعبوية بخفض الأقساط ما لم يتوافر بديل رسمي قوي، إذ إنّ 72% من التعليم في لبنان خاص مقابل 22% فقط هو تعليم رسمي. فكيف يمكن أن يُطلب من الطلاب ترك الخاص والانتقال إلى الرسمي في ظل غياب قدرة استيعابية كافية؟”. وختم بالتأكيد على أنّ “المسؤولية تقع على السلطة السياسية، وعلى إدارات المدارس أيضًا التي عليها أن توازن بين الطابع التربوي والجانب التجاري، لأنّ ما يدفعه الأهالي من أقساط وغير أقساط يجب أن يذهب فعلًا لدعم المعلمين والحفاظ على جودة التعليم”.

جدل حول الأقساط والتعويضات في المدارس الخاصة: أزمة ثقة وتقصير رسمي

ولفتى محفوض إلى أنّ “أغلب المدارس الخاصة رفعت أقساطها إلى مستويات غير مسبوقة بعد عام 2019، فيما لا تتجاوز رواتب المعلمين 50% من حجم هذه الأقساط”، مشددًا على أنّ السؤال الأساسي هو: “إلى أين يذهب فارق هذه الأموال؟”. وأشار إلى أنّ “الأهالي باتوا يشعرون بأنّ إدارات المدارس تتصرّف تجاريًا فقط”، داعيًا إيّاهم إلى “انتخاب ممثلين حقيقيين عنهم في مجالس الأهل بدل الخضوع للأمر الواقع”، وأضاف: ” لا شك أن الأستاذ وظروف عمله هي فوق كل اعتبار ، لكن من غير المقبول أن تصل الأقساط إلى 3000 دولار فيما لا يحصل المعلم إلا على 500 أو 600 دولار”.

وأجاب ردًا على سؤال حول التقصير الرسمي: “نعم، هناك غياب للرقابة من وزارة التربية وضعف في الأداء النقابي، ما سمح بوقوع تجاوزات كبيرة بحق المعلمين”. ونوّه إلى أنّ “معلمي المدارس الخاصة الذين يتقاعدون اليوم يواجهون مأساة حقيقية، إذ تراجعت قيمة تعويضاتهم بشكل كارثي. فبعدما كان صندوق التعويضات من أكبر الصناديق في لبنان والشرق الأوسط، تقلّصت موارده نتيجة الانهيار، وبات المعلمون يتقاضون ما بين 15 و40 دولارًا شهريًا فقط، أي ما يشبه المأساة الإنسانية”.

وأضاف أنّه “تم توقيع بروتوكولات بين النقابات وأصحاب المدارس لزيادة المساهمات في الصندوق، وأُقرّ مرسوم من مجلس الوزراء، لكن الأزمة البنيوية للصندوق لا تزال قائمة”، معتبرًا أنّ “الحلّ يحتاج إلى تدخل حكومي مباشر لإنقاذ أوضاع آلاف المتقاعدين”.

وفيما يخصّ عقود العمل، شدّد على أنّ “بعض المدارس الخاصة تلجأ إلى صرف تعسفي للأساتذة وإعادة توظيفهم بعقود جديدة بهدف التهرب من دفع التعويضات”، معتبرًا أنّ ذلك “خروج صارخ على القانون وتجاوز لدور وزارة التربية والرقابة الرسمية”، وأردف: “كل صاحب مدرسة يتصرف كأنه جمهورية قائمة بذاتها، ولا رادع حقيقي”.

وشدد على أنّ “التعليم لم يعد رسالة بقدر ما تحوّل إلى تجارة سريعة الربح، إذ يفتح البعض المدارس كما يفتح التاجر متجرًا، والنتيجة ضياع الحقوق التربوية للمعلمين والطلاب معًا”، مطالبًا بـ”إعادة النظر في آلية منح التراخيص وتشديد الرقابة، خصوصًا في الأطراف والأرياف حيث تغيب المتابعة الفعلية”.

صندوق التعويضات في أزمة: استقالات، ضغوط، وهجرة الكفاءات تزيد الانهيار التربوي

وأوضح محفوض أنّ أزمة صندوق تعويضات معلمي المدارس الخاصة بلغت مرحلة خطيرة، ما دفع بعض ممثلي المعلمين إلى تقديم استقالاتهم من مجلس الإدارة احتجاجًا على ما وصفوه بـ”اللامبالاة الرسمية”. وقال: “لدينا نحو 5000 متقاعد يتقاضون ما بين 15 و40 دولارًا فقط شهريًا، وهذه مأساة إنسانية حقيقية”. وأضاف: “تخيلوا معلمة عمرها 72 سنة تعيش من معاش شهري بالكاد يعادل مليون ليرة، غير قادر حتى على تغطية فاتورة كهرباء”.

وأشار إلى أنّ “أموال الصندوق استُنزفت بعد الأزمة الاقتصادية، فيما بعض أصحاب المدارس يتنصلون من دفع مساهماتهم”. وتابع: “القانون واضح: المدرسة تدفع 6%، والمعلم يساهم بنسبة معينة، لكن المدارس تحسم من الرواتب ولا تسدد المستحقات للصندوق، ما أدى إلى عجز كبير”. وأكد أنّ استقالته من هيئة الاشراف على الصندوق لم تكن تخليًا عن المعلمين، بل وسيلة ضغط على المسؤولين لإقرار المراسيم اللازمة، لافتًا إلى أنّه “تم انتزاع مرسوم جديد يحسّن بعض المساهمات، لكن الأزمة أبعد من ذلك وتحتاج معالجة جذرية”.

وتطرق محفوض إلى هجرة الكفاءات التعليمية، حيث أوضح: “لبنان كان يتغنى بمستواه التعليمي، وكان طلابه يتفوقون في الامتحانات الدولية. اليوم، بسبب تدني الرواتب، نحو 25% من المعلمين غادروا نحو الخليج، كندا، فرنسا، وغيرها”. واعتبر أنّ هذه الهجرة “تفرغ القطاع من الخبرات التراكمية التي تحتاجها التربية، فالمعلم المتمرّس بخبرة 15 أو 20 سنة لا يُعوَّض بسهولة، ما أدى إلى تراجع مستوى التعليم العام والخاص معًا”.

وعن البنية التحتية في المدارس الخاصة، قال: “حتى هذه المؤسسات التي كان يُنظر إليها كملاذ بديل للتعليم الرسمي، تراجعت تجهيزاتها ومختبراتها وملاعبها، وباتت تعاني من ضعف نوعي في التعليم رغم ارتفاع الأقساط”. وأكد: “طالبنا أن يكون الأسبوع الدراسي خمسة أيام فقط، فتعرضنا لهجوم واسع، لكن هدفنا كان الحفاظ على مستوى معقول للتعليم وضمان استمرار المعلمين رغم الرواتب الهزيلة”.

وحول أسباب ضعف العمل النقابي”، رأى محفوض أن : “العمل النقابي في لبنان ضُرب كما ضُرب العمل السياسي، كل القوى من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار تحالفت لإسقاط أي قيادة مستقلة، فخسرنا استقلالية القرار، وتراجع دور النقابات كخط دفاع أول عن حقوق المعلمين”.

بين سلسلة الرتب والرواتب، العمل النقابي، والسلاح: التربية في قلب الصراع اللبناني

وردا على سؤال متعلق بأزمة العمل النّقابي، وعدم الثقة بالنقابات السلطوية، إعادة هيكلة الحركة النقابية بعيدًا عن الانقسامات الحزبية، أجاب محفوض: “الأزمة نتاج صراع طويل، والعمل النقابي المستقل حورب بشراسة”، وأضاف: “رغم كل العراقيل، حاولنا أن نثبت أنّ هناك بديلًا نقابيًا ديمقراطيًا، وأجرينا انتخابات وحققنا إنجازات فعلية، لكننا تعرضنا لحملات تشويه منظمة للنيل من مصداقيتنا”.

ونوّه إلى أنّه شخصيًا “تعرض لهجوم واسع بسبب دوره في معركة سلسلة الرتب والرواتب”، مذكرًا بأنّ “الاتهامات التي طالت النقابيين كانت وسيلة لتغطية مسؤولية السلطة عن الانهيار”. وتابع: “من غير المنطقي أن يُصرف 40 مليار دولار على الكهرباء بلا نتيجة، و17 مليارًا على دعم عشوائي لهذا القطاع أو ذاك، بينما يُحمَّل رفع رواتب المعلمين والعسكريين مسؤولية الانهيار. هذه مغالطة كبيرة”.

ورأى أنّ زيادة الرواتب لم تكن السبب في الانهيار، بل “السياسات المالية والفساد والهدر”، مضيفًا: “حتى التوظيف العشوائي الذي جرى قبيل الانتخابات وبلغ عشرات الآلاف، ساهم في الانفجار المالي أكثر من أي سلسلة”.

وحول الحاجة إلى “سلسلة رتب ورواتب جديدة”، قال محفوض: “لا يمكن الحديث عن رواتب من دون إصلاح شامل للقطاع العام وضبط الهدر، وإلا سنكرر الكارثة”.

أما عن الموقف من الحكومة الحالية، فأكد المتحدث الأول أنّه “رغم كل المآخذ، يجب دعم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لأنّ أي مشروع لإصلاح السلاح أو معالجة الملفات العالقة يحتاج إلى غطاء سياسي قوي”، مضيفًا: “المشكلة أنّ الدولة العميقة ما زالت تعرقل أي إصلاح، والشعب اللبناني عليه أن يساند من يريد إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة”.

الميليشيات تتغذى على الفساد، والفساد يتغطى بالسلاح. هذه الحلقة يجب كسرها حتى لا يبقى لبنان رهينة

حول ملف السلاح، شدد: “أنا مع الدولة اللبنانية، مع الجيش والقوى الشرعية. لا يجوز أن يبقى السلاح خارج إطار الدولة. لكن من 1969 وحتى اليوم، البلد رهينة الوصايات: فلسطينية، سورية، إيرانية، وأيضًا أميركية. المطلوب أن يتحرر لبنان من كل أشكال التبعية”.

وأردف: “القضية التربوية لا يمكن فصلها عن الأزمة السياسية العامة، فالمدرسة لا تعيش بمعزل عن الدولة. إذا بقيت الصراعات الطائفية والوصايات الخارجية تتحكم بالقرار، فلن ننجح لا في إنقاذ التعليم ولا في حماية حقوق المعلمين”.

ولفت إلى أنّ “لبنان كان دائمًا ساحة مستَخدمة من قبل الآخرين”، موضحًا: “الفلسطينيون استخدمونا، ثم السوريون، واليوم الإيرانيون والأميركيون. المطلوب أن نحيد البلد عن الصراعات الإقليمية لنتمكن من الاهتمام بأولوياتنا التربوية والمعيشية”.

وأكد أنّ “السلاح غير الشرعي والفساد وجهان لعملة واحدة”، مضيفًا: “الميليشيات تتغذى على الفساد، والفساد يتغطى بالسلاح. هذه الحلقة يجب كسرها حتى لا يبقى لبنان رهينة”.

ونوه إلى أنّ الحل يبدأ من دعم الدولة: “علينا أن نقف إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وقائد الجيش. إذا لم ندعم المؤسسات الشرعية فلن نخرج من المأزق”. لكنه شدد على أنّ “الدعم السياسي وحده لا يكفي، فالمواطن ما زال يعاني من انقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت، في وقت ينظم فيه لبنان مؤتمرات عن الذكاء الاصطناعي بينما أبسط الخدمات غائبة”.

الانتخابات المقبلة يجب أن تكون مختلفة

ورداً على سؤال حول الانتخابات، أشار إلى أنه “ترشح عام 2018 وخسر جزءًا من رصيده بسبب خيارات سياسية معينة، لكن الانتخابات المقبلة يجب أن تكون مختلفة”، مضيفًا: “القانون الحالي مفصل على قياس الأحزاب التقليدية. إذا لم نغيّره فلن يتحقق الإصلاح”.

وفي السياق نفسه، دعا إلى أن “يتحمل الناخب مسؤوليته”، موضحًا: “لا يكفي أن نُحبط ونمتنع عن التصويت. يجب أن ننتخب وجوهًا جديدة تُشبه تطلعات اللبنانيين، أشخاصًا مثل نواف سلام أو جوزيف عون يمكن أن يقودوا البلد نحو التغيير”.

وحذر من أنّ الفساد المالي ما زال العائق الأكبر: “الأموال نُهبت من المصارف، وهرّبت إلى الخارج من قبل السياسيين والمصرفيين وأصحاب الميليشيات. من دون محاسبة، لن نستعيد الثقة ولن نحل الأزمة الاقتصادية التي تضرب القطاع التربوي وغيره”.

وختم بالتأكيد أنّ “الانتخابات المقبلة فرصة ذهبية. قد لا تغيّر المشهد بين ليلة وضحاها، لكنها على الأقل قد تأتي بكتلة إصلاحية صغيرة في مجلس النواب، شرط أن تكون نزيهة. هذا وحده كفيل بأن يكسر حلقة الفساد والسلاح التي تخنق لبنان منذ عقود”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى