هل تطلق بريكس عملة موحدة للاطاحة بالدولار؟

/بقلم الدكتور جمال واكيم/
يمثل طرح فكرة إنشاء عملة موحدة لدول مجموعة البريكس والتي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، والتي انضمت اليها دول اخرى، تحولا بارزا في المشهد المالي العالمي. وعلى الرغم من أن هذه العملة لا تزال مقترحا نظريا لم يجد طريقه للتطبيق، الا ان مجرد تداول هذه الفكرة يعكس شعور القوى الصاعدة خارج اطار الغرب الجماعي بعدم الرضا عن هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي، خصوصا في ظل استخدام واشنطن للدولار كأداة لتنفيذ اجندات سياسية. كذلك فهو يشير الى مثابرة الصين وروسيا وغيرها من القوى الى فرض سيادة نقدية بعيدا عن الهيمنة المالية الاميركية.
ولطالما شكل الدولار الاركن الاساس في النظام المالي الدولي، إذ أنه يستخدم في أكثر من نصف التعاملات التجارية العالمية، ويساهم في نحو 80 بالمئة من التداولات في أسواق الصرف الأجنبي. وقد منح هذا الوضع الولايات المتحدة مزايا اقتصادية وجيوسياسية كبيرة، مثل القدرة على تمويل العجز المالي بسهولة والتأثير في أسعار الفائدة العالمية وفرض عقوبات اقتصادية ضد الدول التي ل تخضع لارادتها السيااسية. في المقابل، فلقد باتت الدول النامية والأسواق الناشئة أكثر عرضة للتضرر بنتيجة عدم استقرار السياسات النقدية الأمريكية وتداعياتها الجيوسياسية.
والجدير ذكره ان البريكس ل تسعى إلى إزاحة الدولار بشكل فوري أو شامل، بل تهدف إلى تقليص الاعتماد عليه بشكل تدريجي. وينبع هذا التوجه بالأساس من الاستخدام السياسي للدولار كسلاح ضغط، أكثر مما هو ناتج عن خلل في بنيته الفنية. فقد تطور النظام المالي العالمي ليعكس موازين قوى غير متكافئة، حيث باتت واشنطن تستخدم الدولار لفرض شروط تنظيمية وعقوبات خارج نطاقها القضائي، ما دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل تحمي استقلالها الاقتصادي.
يجب الاعتراف بأن صعود الدولار لم يكن حتميًا، بل جاء نتيجة ظروف تاريخية محددة. فبعد الحربين العالميتين، خرجت أوروبا منهكة اقتصاديًا، مما مكن الولايات المتحدة من فرض هيمنتها النقدية من خلال اتفاقية “بريتون وودز” الموقعة في العام 1944، التي ثبتت الدولار كعملة احتياط عالمية مدعومة بالذهب. لكن في عام 1971، تخلت الولايات المتحدة عن تغطية الدولار بالذهب ما جعل العملة الاميركية مستندة الى الثقة بدوره كعملة تداول، وما اعطاه الزخم هو ربط مبيعات البترول بالدولار وهو ما انجز برعاية مباشرة من وزير الخارجية الاميركي الاسبق هنري كيسنجر خلال ولايتي الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرارد فورد.
واليوم، بات الدولار يستمد قوته من الثقة في الاقتصاد الأمريكي ونظامه المالي، لكنه بات يواجه ضغوطا متزايدة بسبب تفاقم الديون الاميركية والتضخم واعتماد الادارات الاميركية المتعاقبة لسياسات فائدة منخفضة. هذا العديد من البنوك المركزية حول العالم إلى تنويع احتياطاتها من العملات الاجنبية وللجوء الى تكوين حتياطت بالذهب كملاذ امن، وهو ما يتجلى في تنامي نشاط بورصة الذهب في شنغهاي، التي يرى البعض أنها تمثل عودة الذهب إلى لعب الدور المحوري في النظام النقدي الدولي.
من هنا فإن احتمال اطلاق بريكس لعملة موحدة تشكل بديلا عن الدولار قد لا يؤدي بالضرورة الى تراجع سريع في هيمنة الدولار، اذ ان حجم التجارة العالمية، خاصة في قطاعي النفط والمواد الأولية، يتطلب عملة تتمتع بالسيولة والمصداقية، وهي ميزات لا تزال حكرًا على الدولار في الوقت الراهن. أما البدائل للدولار المحتملة كاليورو أو الين، فهي تعاني من تذبذب اقتصادي وسياسي يمنعها من تحمّل أعباء إصدار عملة عالمية، مثل العجز التجاري أو التضخم المستورد.
ومن المرجح أن تساهم عملة البريكس، في حال تم اطلاقها، إلى تسهيل التسويات التجارية بين الدول الأعضاء في المنظمة او حتى في التبادلات التجارية مع الدول الاافريقية وغيرها من الدول النامية. وإذا نجحت هذه العملة، فقد تشكل نموذجًا تحتذي به اتحادات نقدية إقليمية أو اتفاقات ثنائية تهدف إلى تقليص الاعتماد على الدولار. وعلى المدى الطويل، قد تؤدي هذه المبادرات مجتمعة إلى تآكل مكانة الدولار في النظام التجاري العالمي.
قد يكون ما نشهده اليوم ليس ميلاد عملة موحدة بديلة عن الدولار بمقدار ما يكون بداية تفكك تدريجي لنظام مالي عالمي احادي القطب تحت الهيمنة الاميركية. فعدا عن الذهب، فإن العملات الرقمية وأنظمة الدفع الإقليمية ومؤسسات مالية اخرى باتت كلها تتحدى بشكل أو بآخر هيمنة الدولار الاميركي. ورغم ان هذا التحول يسير بوتيرة بطيئة لكنه سيترتب عليه اثار عميقة على المدى الطويل.
من المحتمل أن يحتفظ الدولار بدوره المهيمن في المستقبل القريب، لكن منظمة البريكس تساهم بتسريع عملية الانتقال نحو نظام نقدي عالمي تعددي يفسح في المجال لخيارات أخرى ويحد من الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، يتوقف مستقبل هيمنة الدولار ليس فقط على قدرة البدائل من العملات على فرض نفسها، بل ايضا على استعداد الولايات المتحدة لإصلاح النظام المالي الدولي ليكون أكثر توازنا وتمثيلا لمصالح اقتصادات الدول الاخرى. أما إذا استمرت واشنطن في استخدام الدولار كأداة للهيمنة الجيوسياسية، فإن دول البريكس ستعزز من جهودها لاطلاق عملات بديلة تساهم في ضرب هيمنة الدولار.



