مجتمع

الكمال وهم… والأذى خيار

/ريما فارس/موقع الأمة/

ليس أسوأ ما في البشر أنهم ناقصون، بل أن يتحوّل نقصهم إلى أذى، وأن يُمارَس الضعف كعذر، والخلل كحق، والجرح كطبيعة لا تُمسّ. فالكمال لم يكن يومًا شرطًا للسلام، لأن السلام لا يصنعه الأصحّ، بل من يعرف كيف لا يؤذي وهو مكسور.
نعيش عمرنا ونحن نُربّى على وهم البحث عن الإنسان الكامل، ثم نصطدم بالحقيقة: كل من نلتقيهم يحملون فجواتهم الخاصة، تعثّراتهم، وأماكن هشاشتهم. غير أن التجربة تُعلّمنا باكرًا أن الخطر لا يسكن في النقص ذاته، بل في طريقة إدارته. هناك نقص يُربك صاحبه فيصمت، ونقص يكسوه الحياء فيعتذر، وهناك نقص آخر يجرح، يبرّر، ويهاجم… وهذا هو الفرق الجوهري الذي غالبًا ما نغفله.
ليس كل خلل عبئًا، فبعض العيوب تُقرّب الناس من بعضهم، تجعلهم أكثر تواضعًا، أكثر صدقًا، وأكثر رحمة. ضعفٌ يُحتوى لأن فيه إنسانًا يحاول، يتعثّر لكنه لا يدوس على غيره ليقف. أما ذاك الخلل الذي يُسفِر عن قسوة، أو عن أنانية، أو عن استباحة مشاعر الآخرين، فلا يمكن تسميته ضعفًا بريئًا، بل قصورًا أخلاقيًا مغطّى بقناع الصراحة.
الأكثر إيلامًا أن كثيرين يتعاملون مع نقصهم كسلاح، لا كمسؤولية. يطالبونك بالتفهّم المطلق، بالصبر الدائم، بالغفران الذي لا حدّ له، وكأن إنسانيتك خُلقت لتُستنزف كي لا يشعروا بالذنب. لكن الحكمة الحقيقية لا تكمن في الاحتمال الأعمى، بل في الإدراك: إدراك متى يكون العطاء فضيلة، ومتى يصبح تواطؤًا على الأذى.
لسنا مطالبين بترميم كل ما هو مكسور في الآخرين، ولا مُلزَمين بدفع ثمن خلل لم نكن سببًا فيه. من حقّ الإنسان أن يختار من لا يجرحه نقصه، من يكون ضعفه مساحة احتواء لا ساحة معركة، ومن إذا أخطأ توقّف، لا تمادى، وراجع نفسه بدل أن يُدافع عن خطئه.
في الخلاصة، المشكلة ليست في أن يكون الإنسان ناقصًا، فذلك قدره، بل في أن يرفض تهذيب نقصه، وأن يتركه ينقلب سكينًا في خاصرة من أحبّوه. أمّا السلام الحقيقي، فلا يولد من الكمال، بل من علاقة يكون فيها النقص آمنًا، والضعف مسؤولًا، والإنسان مُصانًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى