خالد قاسم… الرجل الذي يُنقذ الكتب من الموت

في قريةٍ صغيرةٍ من عكّار، تُدعى السندّيانة، يعيش رجلٌ يشبه الحلم — أو ربما يشبه الصفحة التي نُسيت في كتاب قديم، لكنها تأبى أن تموت.
اسمه خالد قاسم، رجلٌ جعل من الورق ملاذًا ومن الحبر وطنًا، ومن الكتاب صديقًا لا يخونه العمر.
كان ذلك في عام 1978، حين وقعت بين يديه أول مجلة — “مجلة الجندي” — أثناء خدمته في الجيش اللبناني. لم تكن سوى ورقة عابرة في يومٍ طويل، لكنها كانت الشرارة التي أضاءت طريقه، ومن يومها لم يعد خالد كما كان.
كلّ ما في الحياة تغيّر، إلا الكتاب.
كبر الشغف في صدره، وتحوّل إلى يقين: أن الأمم لا تُبنى إلا على الورق، وأن من يقرأ لا يُهزم.
سنوات مرّت، والحروب تغيّرت، والوجوه تعبت، أما هو فظلّ يسير وراء الكتب كمن يسير وراء نبوءة.
يجوب القرى والبلدات البعيدة، يسمع أن أحدهم يريد أن يتخلّى عن مكتبته، فيمتطي ذاكرته ويذهب، ولو إلى آخر الريف.
ينحني فوق الكتب الممزّقة، يلمسها بيده كما يلمس الأب رأس طفله المريض، ينفض عنها الغبار، ويرمّمها بحنانٍ غريب، كأنه يعتذر منها باسم جيلٍ كامل نسيها.
في مساحةٍ لا تتجاوز أربعة عشر مترًا، أقام مكتبةً تُشبه قلبه: ضيّقة كالمكان، واسعة كالحلم.
فيها أكثر من 5000 كتاب، و21000 مجلة، و6000 صحيفة، ومئات الطوابع والعملات القديمة.
مكتبةٌ صغيرة، لكنها تنبض كما تنبض المدن حين تعود إليها الروح.
يقول خالد:
“حين أرى كتابًا ممزّقًا، أشعر كأن إنسانًا يُستباح أمامي.
الكتب لا تموت إن فقدت أوراقها، بل حين يفقد الناس احترامهم لها.”
تقاعد خالد من الجيش عام 2017، بعد حياةٍ مليئة بالانضباط والواجب، لكنه لم يتقاعد من شغفه.
خرج من البزة العسكرية ليحمل بزةً أخرى — بزة المعرفة.
ومنذ ذلك اليوم، كرّس حياته لحراسة الذاكرة الورقية.
يجلس كل صباح أمام رفوفه، يمرّ بيده على عناوينها كما لو كان يربّت على وجوه أحبّته.
يرتّبها بدقّة عسكرية: تاريخ، سياسة، أدب، مذكّرات، موسوعات…
ثم يبتسم ويقول:
“إنها ليست كتبًا، إنها أرواح. كل كتابٍ أنقذته هو حياةٌ أعدتُها للوجود.”
ورغم ضيق المساحة، يحلم خالد بأن تتحوّل مكتبته إلى متحف ثقافي، إلى بيتٍ للذاكرة، إلى مكانٍ يقصده الطلاب والعابرون ليشمّوا رائحة الورق كما يشمّ الناس رائحة الخبز الساخن.
إنه حلمه الكبير، يعيشه كل يومٍ كأنه صلاةٌ لا تنقطع.
لكن خلف صمته حزنٌ دفين، حين يقول بصوتٍ منخفض:
“الناس لم يعودوا يقرأون… صار الكتاب عبئًا في زمنٍ يحتفي بالسطح وينسى العمق.”
ثم يضيف بابتسامةٍ حزينة:
“ما من ذكاءٍ اصطناعيٍّ يمكنه أن يعوّض دفء الورق.
الكتاب ليس معلومة، بل ذاكرةٌ تنبض.
ومن يرمي كتابه، يرمي جزءًا من إنسانيته.”
هكذا يعيش خالد قاسم، بين الغبار والعناوين، بين الحبر والحنين، رجلٌ واحدٌ يقف في وجه النسيان، يرمّم الكتب كما يرمّم الزمن نفسه.
مكتبته ليست مكانًا، بل وصيّة حبٍّ للعالم — وصيّة تقول لكل من يقرأ:
“اقرأ، قبل أن تُصبح الذاكرة رمادًا.
لا تترك الكتاب يموت، لأنّ في كل صفحةٍ روحًا، وفي كل سطرٍ وطنًا.”



