مقالات

رفيق الحريري في ميزان باسم السبع

/ايلي عساكر/موقع الأمة

صدر كتاب باسم السبع “لبنان في ظلال جهنّم: من اتفاق الطائف إلى اغتيال الحريري” عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، وبدأ بإحداث ضجّة في الوسط الإعلاميّ والسياسيّ، لما فيه من وقائع وأحداث وتسجيل لسيرة الحريري وسيرة السبع الخاصة، من وجهة نظهر أحادية، انتقده كثر عليها، وكان أخرهم الإعلامي سالم زهران. لكنّ السبع بذكائه الإعلاميّ الفطريّ استطاع أن يخلّص نفسه من شباك الجدليّات العقيمة بمقدّمة أقرّ فيها: بأنّ كتابه ليس تاريخيّ، لأنّ التاريخ بحاجة إلى وجهتَي نظر “متضادتين ليتكاملا في صياغة الحقيقة” و “لا يرغب في إدراج” محاولته “في خانة المذكّرات السياسيّة وما تحتويه عادة من إسقاطات شخصيّة على الاحداث والوقائع” بل اختار أن يكون الكتاب  “إعادة تسجيل مراحل” من حياته الخاصة والعامة.

لم أقابل السبع شخصيًّا، لكنّني كنت أوّل من قرأ الكتاب، ودقّق لغته، ووضع ملاحظاته الأسلوبيّة والتاريخيّة والسياسيّة ليأخذ بها، وأخذ بها. أحداث وفصول كثيرة تركّز على ارتباط السبع برفيق الحريري ودوائره القريبة العائلية والمهنيّة، وعلاقات الحريري بالسوريين منذ البدايات، واتهامه حزب الله باغتيال الحريري خاصة في الفصول الأخيرة، ولذلك لن أخوض فيها، وأتركها للقارئ ليستمتع بها أو يستنكرها بما اتخذ لنفسه من انتماء سياسيّ وتوجّهات فكريّة، وسأركّز على استنتاجات ثلاثة استخلصتها من الكتاب عامّة:

أوّلًا: إنّ أهمّ ميزة يتّصف بها رفيق الحريري كمدير ناجح، هو اختياره للأشخاص الذين يحيطين به من حيث الكفاءة والإخلاص. والدليل على ذلك قافلة الشهداء التي قضت مؤمنة بنهجه حتى الرمق الأخير، والشخصيات التي انسحبت من الأضواء السياسية وانكفات وفاءً له. وكتاب السبع نفسه دليل على ذلك، فالكاتب لا يخجل من أن يقول إنّ الحريري اشترى له منزلًا ليتاهّل فيه أو يذكر دعم الحريري لفلان وعلّان. وما من مجال خاض فيه الحريري إلّا ونجح، لأنّه وضع الشخص المناسب في المكان المناسب؛ في ما عدا السبع نفسه، فلو أعطاه الحريري رئاسة تحرير صحيفة المستقبل لكنّا كسبنا قلمًا ما استحقته السياسية بالنيابة والوزارة. وفي ذلك عبرة لسعد الحريري الذين انفق ثروة ولم يجد من الأوفياء الكثر الذين التزموا بقراره اعتزال العمل السياسيّ ولم يجد من الأكفّاء من يجيد إدارة شركاته ومؤسّساته.

ثانيًا: مشروع الحريري الذي بدأه ولم يستطع إكماله، عرفنا قيمته وقت جائحة كورونا؛ فالمتنفّس الوحيد للبنانيّين كان مطار رفيق الحريري الدوليّ، وطلبة الجامعة اللبنانية التي أنشأها رفيق الحريري في الحدث كانوا الأبطال الذين أخضعوا الوافدين إلى فحصوصات الفيروس، ومستشفى رفيق الحريري الجامعي استقبل كلّ مصاب ليُحجر عليه، ومدينة كميل شمعون الرياضية التي رمّمها رفيق الحريري كانت المخزن الكبير لتلقّي وتخزين مساعدات الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليين. رفيق الحريري مشروع لم ينته بعد اغتياله، فهو حاضر دائمًا في يوميّاتنا. ويركّز السبع على المعناة والقهر الذي عاناه فريق الحريري عند تنفيذ أي مشروع إنمائي بسبب النكد السياسي الكائن وقتها من السوريين وفرقهم المطيعة في الوزارة وفي المجلس النيابي.

ثالثًا: باسم السبع لم يرَ من الحريري في الكتاب سوى حسناته من منطلق “إذا أكرمت الكريم ملكته” و “اذكروا محاسن موتاكم” فتغاضى عن سيّئات أفعاله في المشاريع والسمسرات والسوليدار وآثار وسط بيروت والشركات والعلاقة مع السوريين وكل ذلك… لكنّه لم ينسَ أن ينتقد بقسوة ورثة رفيق الحريري الذين بدّدوا ثروته وضيّعوا علاقته العربية والدولية بخياراتهم السياسية، وخصّ بذلك سعد الحريري أكثر من غيره من الأبناء والبنات، الذي سرد فصل ليس بقصير عن طفولته وشبابه، تحت عنوان “الحريري الثاني: وليّ الدم والإرث السياسيّ”.

في خاتمة الكتاب مقطع معبّر يصف الوضع اللبناني بدقّة: ” إنّه قدرنا، قدر مساحة جغرافية على شاطئ المتوسّط، عجز سكّانها عن تحويلها إلى وطن على الرغم من النجاحات التي حقّقوها في بناء أوطان اخرى. لعلّها لعنة الجغرافيا. لعنة المكان الذي يستحيل انسلاخه عن محيطه…. لعنة الولاءات الخارجية التي جعلتنا قطعانًا طائفية في مزارع الأقليم…” وفي خاتمة الكتاب أيضًا، وعد بأن “لا تتوقف الكتابة” وذلك وعد جميل لما يتميّز أسلوب السبع من الرشاقة والطراوة والانسيابية المتقنة، فقلم باسم السبع الأنيق والبليغ، خسِرته الصحافة وخسره الأدب يوم عيّنه الحريري في فريقه السياسي بدلًا من فريقه الإعلامي. فهنيئًا لنا كتاب لبنان في ظلال جهنّم والكتب المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى