ثقافة

لماذا حالنا، نحن المسلمين والعرب، هكذا؟

ايلي عساكر/موقع الأمة/

/نظرة نقدية استنادًا على هيجل د. أحمد عبدالحليم عطية/

أكتب عن مؤَلَّف الدكتور عبدالحليم عطية “نحن وهيجل اليوم” من إصدارات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، وقد كنت مِمَن شارك في تدقيق الكتاب وترتيبه. وما تعرّفت على الدكتور عطية شخصيًّا ولو كان فهو شرف كبير لي، وما عرفت منه غير صوته عبر رسائله الطويلة على الواتساب، وهو ينفعل عند كلّ خطأ في ترتيب الفصول، بصوته العميق ولهجته المصرية المحبّبة صائحًا:”إيه ده يا سادة، ديه مجزرة، انتو دمّرتو الكتاب“. صدر الكتاب غير مدمّر؛ بل على العكس كان أساسًا متينًا لكلّ ما له علاقة بهيجل ورؤيته للشرق والعرب والمسلمين. 

كتاب يتضمّن ثلاثة كتب؛ مؤَلَّف الكاتب “نحن وهيجل اليوم” بفصوله الثمانية، وكتاب ثانٍ “هيجل في الفكر العربي المعاصر” وهو جولة في أبرز ما قاله الفلاسفة العرب عن هيجل، وكتاب ثالث “نحن وهيجل اليوم في كتابات المفكّرين العرب المعاصرين” – اعتبره أجمل ما قام به د. عطية كشخص واثق ومتواضع – فيه مقالات نقدية للكتاب نفسه “نحن وهيجل اليوم” لأبرز المفكّرين والفلاسفة العرب والأجانب بعد أن أرسل إليهم مخطوط الكتاب لانتقاده قبل إرساله إلى الدار.

لن استعمل لغة التفلسف والمتفلسفين لأعبر عن بعض أفكار الكتاب، ولن أدخل في التفاصيل التفاصيل حيث اقتبس واستشهد الكاتب بأكثر من مئتي فيلسوف عالمي وعربي ومسلم، ولن أفنّد جميع الإشكاليّات التي تطرّق لها الكتاب على أهميتها جميعها، بل سأكتفي بأن أطرح إشكالية واحدة طرحها الكاتب؛ وهي: لماذا حالنا، نحن المسلمين والعرب، هكذا؟

ويجيب الكاتب بقوله: إنّ ما يحدث لنا ومنّا ليس فقط نتاجًا للغرب الاستعماري أو العداء التاريخي الذي يحكم علاقتنا به، وليس أيضًا نتيجة الجهد الاستشراقي الدائم والمازال، وبالطبع ليس نابعًا من نظرة هيجل إلينا ولا تحليلاته لعالمنا… هي نهاية التاريخ ولسنا أبرياء مما يحدث لنا“. لا نستطيع ان نحمّل الآخرين فقط وزر ما حصل لنا ونكتفي نحن بلعب دور الضحيّة، وإذا ما حاولنا التحرّك والفعل  ورد الفعل نلعب دور المقاوم الرومنسي الذي يتلذّذ بضعفه وبؤسه ومأساته.

يقول د. عطية مفسّرًا جدلية السيّد والعبد التي قال بها هيجل: إنّ العبودية لا بدّ لها في مكان ما أنْ تكون طوعية واختيارًا ليس بهدف الاستسلام بل بهدف التعلّم بعد طرح الاسئلة المناسبة: لماذا نحن ضعفاء؟ لماذا الآخر قوي؟ وماذا يمكنني أن أفعل لأصبح قوي؟ وبعد اكتساب القوة ننتقل من حالة العبودية إلى حالة الندية والمقارعة والمنافسة. وعليه ولأبسّطها لك عزيزي القارئ أقول على سبيل المثال: لماذا نحن العرب والمسلمون لا نمتلك تقنيّات الذكاء الاصطناعي؟ لماذا لا نعترف بضعفنا و”عبوديتنا” الطوعية لنتعلّم هذه التقنية؟ ولماذا لا نصنع ذكاء اصطناعيًّا خاصً بنا؟ ومن بعدها نقارع شركات الغرب باكتشافاتها، ونطاعن الدول متابهين بتقدّمنا وتطوّرنا، ولا نكتفي بمحاضرات الضعيف عن أخلاقيات هذه الاكتشافات وتبيان حلالها من حرامها.

ويشدّد على هذه فكرة د. عطية، باللجوء إلى أفكار كثُر ٍ من المفكّرين العرب ويقتبس كلماتهم: “هيجل، عند شارحه ومؤوّله العربي، هو فيلسوف السلب، والسلب هو الذي يصنع التاريخ، ونحن في أسوأ حالاتنا التاريخية، نحيا في يقين دوجماطيقي، وهو يقين القرون الغابرة ونتمسّك بمعتقداتنا ولا نريد أن نجعلها تتوفّق مع حاضرنا، ومن هنا نحن كما يصفنا (هاشم) صالح: ضائعون حائرون، بل خائفون مرعوبون، تتقاذفنا الأمواج من كلّ جانب، الانقسامات المذهبية العتيقة جدًّا تنفجر في وجوهنا ولا أحد يدلّنا على الطريق أو يطمئننا نفسيًا على الأقلّ عن طريق تقديم تفسير مقنع لما يحدث حاليًّا”. ما الحلّ إذًا؟ كيف الخروج من هذه المعضلة التي تتجاذبنا وتقتلع أطرافنا الثقافية والفكرية؟

الحلّ الوحيد بحسب د. عطية هو “الانتقال من التلقّي إلى اللقاء الذي يتمّ، ليس برفض الغرب ولا الخضوع له بل بالاعتراف بالاختلاف، والتأكيد على التواصل والبحث عن سبل جديدة مغايرة للعداء الدائم والصراع المستمر بين السيد والعبد… وسبيلنا إلى ذلك التأسيس والتجاوز بحثًا عن كونية جديدة نكون ضمن المساهمين فيها وليس المستهلكين لها“. الكلمتان الأساسيّتان؛ التأسيس من حيث تشييد الأعمدة التي تُشكّل هويتنا الوطنية المحليّة وانتماءنا الديني المسلم الجامع والتجاوز، تجاوز المشكلات التي حُملّناها على كاهلنا منذ مئات السنين، وما وجدنا لها حلًا، وعلينا تجاوزها من أجل خلق وحدة إسلامية عربية جديدة أساسها متينة، لا تخاف الندية والمنافسة في جميع ميادين العالم.

نحن وهيجل اليوم ليس كتابًا جامدًا عن الفيلسوف الألماني جورج هيجل، بقدر ما هو كتاب عنّا عبر هيجل، لطرح الأسئلة والإشكاليات الصعبة عن الهوية والتاريخ والمستقبل، التي علينا جميعًا الإجابة عنها بوعي ومسؤولية وتواضع، كتاب يرميه الدكتور أحمد عبدالحليم عطية حجرًا في مستنقع الفكر الراكد في عالمنا العربي.

(أقصد بالانتماء المُسلم الانتماء إلى الحضارة الإسلامية العربية ولكل من انتمى إليها من عرب وغير عرب ومن كل الطوائف، تلك الحضارة التي اعطتنا اللغة والتاريخ والفكر … الذين نتغنّى بهم اليوم، ولا أقصد بالمسلم التعريف الضيّق من حيث الدين والطوائف والمذاهب المحصورة)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى