من لا يتألم لا يتعلم

/ريما فارس/موقع الأمة/
في زمنٍ يُخيف فيه الألم الناس، ويهرب منه الجميع، يظلّ القليل فقط يدركون أن الوجع ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالألم ليس عدوًّا كما نتوهم، بل معلّمٌ خفيّ، يختبر عمقنا، وينقّي أرواحنا من زيف الراحة. إنّ من لا يتألم لا يتعلم، لأن الحكمة لا تولد في اليسر، بل في لحظات الانكسار التي تفتح أبواب البصيرة.
ولعلّ أعظم شاهد على ذلك هو النبي أيوب عليه السلام، الذي عُرف بصبره حتى صار اسمه مرادفًا للثبات. فقد امتحنه الله امتحانًا عسيرًا، ففقد ماله، وبيته، وأولاده، وابتُلي في جسده حتى صار مضرب المثل في البلاء، ولم يبقَ إلى جواره سوى زوجته الوفية التي كانت تخدمه بإيمانٍ صامت.
ومع كل ما حلّ به، لم ينطق بالشكوى، بل ظلّ يناجي ربّه بخشوعٍ قائلًا:
“ربّ إني مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين.”
فجاءه الفرج الإلهي بعد سنواتٍ من الصبر، وأمره الله تعالى أن يركض برجله، فانفجر نبع ماءٍ باردٍ اغتسل به فشُفي، وشرب منه فعاد إليه عافيتُه، وردّ الله عليه أهله ومثلهم معهم، وأكرمه برزقٍ واسعٍ، فقال سبحانه:
“وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ.”
ذلك كان إنجاز أيوب الحقيقي: أنّه لم يفقد إيمانه رغم كل ما فقده. تعلّم من ألمه معنى الرضا، ومن صمته معنى القوة. لم يكن انتصاره في استعادة صحته وماله، بل في حفظ قلبه نقيًّا وسط العاصفة.
إنّ تجارب الألم تصنع فينا وعيًا لا تمنحه الأيام الهانئة. فكل دمعةٍ تُهذّب، وكل وجعٍ يُعلّم، وكل سقوطٍ يُعيد ترتيب نظرتنا للحياة. فالألم ليس كسرًا، بل اختبارٌ لقدرتنا على النهوض.
من لا يتألم لا يتعلم، ومن لم يجتز العواصف لن يعرف جمال الصفاء بعدها. فالأوجاع هي التي تُنضج النفوس، وتُحوّل الإنسان من مجرّد عابرٍ في الحياة إلى صاحب بصيرةٍ فيها.




