هادي إبراهيم على الطريق الصحيح

ايلي عساكر/موقع الأمة/
مهرجان أفلام البحر المتوسّط في البترون مناسبة سنويّة، تُقام في بداية شهر أيلول/سبتمبر في الساحة الروسية التي أحسنوا ترميمها وإضاءتها وأتقنوا تنظيمها، وهذا ما كان هذه السنة. يجمع المهرجان أفلام سينمائيين من جنسيّات مختلفة، وتكون فرصة للبنانيّين منهم لعرض محاولاتهم وتجاربهم؛ ومنها تجربة السينماتوغرافي هادي إبراهيم إخراجًا وكتابة وتصويرًا وتمثيل لما قنديل وجورج مطر وإنتاج ربا عطيّة.
في البداية وقبل الخوض في التفاصيل، يتحدّث فيلم إبراهيم “في حالة التثبيط الإرادي، اكسر الزجاج” (In Case of Conscious Inhibition, Break Glass) عن الغيرة العاطفية المدمّرة واكتشاف الرغبات الجنسيّة، ضمن إشكالية وهي: ماذا لو كانت كلّ عواطفنا تظهر بأفعال، ماذا كانت لتكون؟! وأيّ فيلم لبنانيّ يتحدّث عن أيّ موضوع عدا الحروب اللبنانية وما يدور في فلكها؛ وتعنيف المرأة واستضعافها؛ والعنصرية والطائفية بكلّ أشكالها؛ هو أمر في حدّ ذاته إنجاز ويستحق الثناء. فالغربُ ومؤسساته لا يقبل إنتاج أيّ مشروع سينمائي لبنانيّ ما لم يتحدّث عن الموضوعات الأنفة الذكر، ربما هذا هو المشهد الذي يحبّ (الغرب) أن يرانا فيه ويريدنا أن نتذكر أنفسنا به، بما أنّ السينما هي الذاكرة الثقافية والفنيّة لأي بلد.
بالعودة إلى الفيلم، لافتٌ كان خلوّه من الحوار، وهو ما يخرج من المألوف العربي الذي يحبّ القصّة والحوارات المسرحية الدرامية واللغو و”القفشات المضحكة”، وهذا لم يؤثّر على إيصال الفكرة البتّة، التي نلملم نثراتها عبر أداء الممثلين والموسيقى والإضاءة والتصوير، لتشكّل كلًّا واضحًا يسهل فهمه. فصياغة الفيلم الدائرية موفّقة، تبدأ بالمصعد وتنتهي فيه، تذكّرنا بدائرية تشيخوف وتولستوي ومجمل الأدب الروائي الروسي. التزام الفيلم بالوحدات اليونانية المسرحية القديمة كان واضحًا ومحبّبًا من حيث وحدة الزمان والمكان والأحداث: في الليل في حفلة تجري في طابق علوي لمبنى مرتفع وأحداث حالات الغيرة المفجعة التي تبدأ وتنتهي في تلك السهرة. وذكرني ذلك، بفيلم “قطّة على سطح صفيح ساخن” (A cat on tin hot roof) للمخرج ريتشارد بروكس وتمثيل إليزابيث تايلر وبول نيومن.
أكثر ما أعجبني في الفيلم هو الإضاءة، فلكل لون وظيفة في تظهير الحالة النفسية وخوالج كلّ شخصية، وفي ذلك تذكير بأفلام كيروساوا. فالأحمر للعنف، والأخضر للغيرة، واللون الطبيعي لهدوء يحضّر لعاصفة من العواطف المدمرة، والأضواء المرتعشة لتظهير حالة الشك الداخلي. وأعجبني كثيرًا التصوير الذي يترافق مع أداء الممثلين خاصة مشهد الفتاة (لما قنديل) التي تنتقل من حالة الثورة إلى حالة الافتراس الغريزي المتوحش وكيف تتنقلّ على الأرض على أربعتها، ومشهد الرقصة الأولى التي لم تكن متقنة ولكنها كانت معبّرة جدًّا فيها شيء من فيلم تانغو إخراج كارلوس سورا. الموسيقى كانت صاخبة جدًّا تتوافق مع فكرة الفيلم والصخب الذي نعيشه في داخلنا عندما تتنازعنا الأفكار والعواطف، ولكن صوت تنفّس الممثّلين كان مبالغًا فيه. ومونتاج الفيلم كان متقنًا، خاصة في تظهير حالات المشاهد الممتدة إذ لا نلحظ انقطاعًا مشهديًّا في أي من اللقطات خاصة في المشهد العنيف الذي يجري داخل المطبخ، ولطخات الدم التي تظهر وتختفي على جبين الممثلّة.
بالعموم هذه النوعية من الأفلام ليست تجارية، بل فنيّة، يحاول فيها المخرج استعمال الصورة والصوت أكثر من استعمال الكلمات لإيصال المضمون وهنا ذهب في التجربة إلى الحدود القصوى. أظنّ الإخراج كان سهلًا على هادي إبراهيم، فهو الكاتب وهو المصوّر وبالتالي كان يعلم تمام العلم ماذا يريد وكيف يريده، وقد نجح في إدارة الممثلَين والممثلّة لتشخيص الفكرة وتجسيد الصراع في العلاقة الثلاثية. هذا الفيلم مناسبة جيّدة ليبرز مهاراته الفنية وتمرّسه في المجالات التقنيّة كافة، أمام حشد كبيرة من المعنيين بالسينما، وأظنه “في حالة التثبيط الإرادي، اكسر الزجاج” بطاقة تعريف ممتازة للمنتجين لإعطائه فرصة يستحقها.




