مجتمع

نهزّ الورد لنشمّ عطره

/ريما فارس -موقع الامة/

يُحكى أنّ رجلاً كان يعبر كلّ يوم أمام حديقة مليئة بالورد الجوري. كان يتأمل حمرة الأزهار وصفاء أوراقها، لكنّه لم يكن يشمّ شيئاً من عطرها. ظنّ في نفسه أنّ الورود صامتة بلا عبير، حتى جاءه صديق، فمدّ يده وهزّ غصناً صغيراً، وإذا بالشذى يملأ المكان. عندها ابتسم الصديق وقال:
“نهزّ الورد لنشمّ عطره”.

توقّف الرجل طويلاً عند العبارة. لم تكن مجرّد وصف لطريقة شمّ وردة، بل كانت حكمة تختصر حياةً كاملة. أدرك أن الجمال لا يبوح بسرّه إلا لمن يقترب، وأن العطر لا يُهدى إلا لمن يمدّ يده بلطف.

وهكذا الناس: تراهم من بعيد أشخاصاً عاديين، فإذا دنوت منهم بصدق، وجدت قلوباً مفعمة بالطيبة، وأرواحاً تفوح كرائحة الورد. وكذلك العلم، لا يكشف كنوزه إلا لمن يهزّ بابه بالتعب والبحث. وحتى المحبّة، لا تفوح إلا إذا أيقظناها بكلمة رقيقة، أو لمسة حنان، أو نظرة صافية.

إنّنا ننتظر أحياناً أن تمنحنا الحياة عطاياها من تلقاء نفسها، لكن سرّها كلّه في المبادرة. فكما أنّ الورد لا يطلق عبيره إلا إذا هُزّ، كذلك الأحلام لا تتحقق إلا إذا هززنا أغصانها بالعمل، والقلوب لا تُشرق إلا إذا لامسناها بالودّ.

الورد يعلّمنا أن السكون ليس صمتاً، بل وعدٌ خفيّ. والوعد لا يتحقّق إلا إذا اقتربنا نحن، إذا حرّكنا الأغصان لننعم بالرحيق.
المثل ليس عن وردةٍ وحسب، بل عن الحياة كلّها: إن أردنا عطرها، فعلينا أن نهزّها بحبّ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى