العرب ولبنان: دعمٌ متقلب وسر النفوذ

الدكتور ايلي دابلي/موقع الأمة/
أنا لست عربياً، ولكن لا يمكن إغفال دور العالم العربي في دعم لبنان على مر العقود. في السبعينيات، كانت فترة ما قبل الحرب الأهلية تُعتبر ذروة الدعم العربي، حيث أسهمت دول الخليج في ضخ استثمارات مالية ضخمة لبناء لبنان كمركز اقتصادي وثقافي. وفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي عام 1974، كان الناتج المحلي الإجمالي للبنان يتجاوز 6.5 مليار دولار، حيث كانت بيروت تُعتبر “باريس الشرق” ومركزًا ماليًا رائدًا في المنطقة.
دول الخليج، مثل السعودية والكويت، قدّمت الدعم للبنان في شكل استثمارات مباشرة، حيث تم بناء مشاريع كبيرة مثل المرافق السياحية والفنادق، والتي كانت تهدف إلى جذب السياح من جميع أنحاء العالم. في هذا السياق، قدّمت الكويت وحدها نحو 1.5 مليار دولار خلال السبعينيات لإعادة تطوير البنية التحتية في لبنان، وفقًا لتقرير صادر عن الصندوق الكويتي للتنمية.
لكن مع اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975، تحول المشهد. تدمير البنية التحتية وانهيار الاقتصاد أديا إلى تراجع الاستثمارات. في تلك الفترة، بدأت الدول العربية بتقديم الدعم المالي العاجل لمواجهة الأزمة الإنسانية، حيث ساهمت منظمة التعاون الإسلامي، على سبيل المثال، بأكثر من 200 مليون دولار كدعم إنساني.
مع انتهاء الحرب الأهلية في عام 1990، عادت الدول العربية لتقديم دعم مالي هائل لإعادة إعمار لبنان. قُدّرت المساعدات العربية بنحو 5 مليارات دولار خلال السنوات الأولى بعد الحرب، مع مساهمات كبيرة من السعودية والكويت وقطر. تقرير البنك الدولي عام 1995 أشار إلى أن 90% من الأموال التي استُثمرت في إعادة الإعمار كانت تأتي من الدول العربية، مما ساهم في إعادة بناء العاصمة بيروت والعديد من المدن الأخرى.
لكن مع مرور الوقت، بدأ الدعم العربي يواجه تحديات جديدة. مع تعاظم نفوذ حزب الله بعد الحرب الأهلية، وظهوره كقوة رئيسية في لبنان، بدأت الدول العربية تعيد تقييم سياستها تجاه لبنان. وفقًا لدراسة نشرتها “مؤسسة كارنيغي” عام 2015، اعتبرت الدول العربية أن دعم لبنان يعني دعم حزب الله، الذي يُعتبر ذراعًا لإيران في المنطقة. بالتالي، بدأت هذه الدول بتقليص الدعم المالي والاقتصادي، حيث انخفضت الاستثمارات العربية في لبنان بشكل ملحوظ.
في عام 2018، قدمت السعودية والكويت والإمارات مساعدات للبنان، لكن هذه المساعدات كانت مشروطة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية، وهو ما لم يتحقق بشكل كافٍ. وفقًا لتقرير نشرته “المفوضية الأوروبية” في عام 2020، انخفضت المساعدات العربية إلى لبنان بنسبة 40% مقارنة بالأعوام السابقة، مما أثّر سلبًا على الاقتصاد اللبناني الذي كان يعاني بالفعل من أزمات متتالية.
بجانب ذلك، أدت الأحداث السياسية، مثل الاحتجاجات الشعبية في عام 2019، إلى مزيد من عدم الاستقرار. ردت الدول العربية على ذلك بتقليص دعمها، حيث رأت أن الوضع الأمني والسياسي في لبنان قد لا يكون مستقرًا بما يكفي لتبرير استثمارات جديدة.
في عام 2021، أظهرت دراسة صادرة عن معهد الشرق الأوسط أن تحويلات اللبنانيين العاملين في دول الخليج أصبحت تشكل نسبة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني، حيث تقدر بـ 7 مليارات دولار سنويًا. ومع ذلك، فإن هذه التحويلات لا تعوض تمامًا النقص في الدعم العربي المباشر، مما جعل لبنان يعتمد بشكل أكبر على المساعدات الدولية.
أنا لست عربياً، لكن يمكنني أن أفهم كيف أن هذه الديناميكيات السياسية المتداخلة أثرت على مسار العلاقات العربية اللبنانية. التوترات الجيوسياسية بين إيران والدول العربية، خاصة السعودية، تعكس القلق من نفوذ حزب الله في لبنان، مما أدى إلى تقليص الدعم العربي.
في ضوء ذلك، يبقى السؤال حول مستقبل العلاقات بين لبنان والدول العربية مفتوحًا. إذا استمرت الظروف السياسية والاقتصادية في لبنان على هذا النحو، فإن التحديات التي يواجهها لبنان في تأمين الدعم العربي ستبقى قائمة، مما يتطلب استراتيجيات جديدة تعزز الاستقرار وتعيد الثقة بين الأطراف



