لعبة الحروب العالمية

/عباس زعيتر/موقع الأمة/
شهد العالم الغربي أربعة حروب عالمية الاولى ضد المانيا والامبراطورية العثمانية والثانية ضد المانيا
والثالثة ضد الاتحاد السوفيتي (الحرب الباردة) والرابعة التي استهدفت الشرق الاوسط وبالاخص الدول
العربية تحت عنوان مكافحة الارهاب فاحتلت العراق وكان الهدف الرئيسي من تلك الحروب هو السيطرة
على النفط ومنابعه واستخدامه كسلاح في وجه المنافسين الى جانب أهداف اخرى استراتيجية ترتبط
باستحقاقات أعادت بناء النظام الدولي لفترة ما بعد الاتحاد السوفيتي وظهور ما يُعرف بظاهرة العولمة
فرأت الادارة الامريكية في نفط المنطقة مصدرا متاحا لأنه الأقل كلفة على المستوى العالمي ولذلك تخلت
عن الذهب كإحتياطي لعملتها وأصبح الذهب الاسود (النفط) أهم دعائم سعر صرف العملة الامريكية وذلك
باعتبار الدولار العملة المعتمدة في سوق النفط العالمي الذي يتيح للخزينة الامريكية طبع وطرح ما تشاء من
أوراق نقدية دون غطاء وعليه فإن الاقتصاد الامريكي حاضر في كل صفقة نفطية تعقد في العالم.
من هنا نرى أهمية ما تسعى اليه اسرائيل التي تشكل قاعدة أساسية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق
الأوسط اذ توثق علاقتها مع الدول الخليجية ليكون لها يد مباشرة في النظام الاقليمي الخليجي عندها تسرب
عملية التطبيع للجسم العربي وتجعل الحركة الصهيونية جزءا من العالم العربي فتحول السوق العربية
وخاصة الخليجية محطة عبور الترانظيت لبضائعها وصناعاتها.أما على صعيد الثروة النفطية فالنفط
الخليجي هو نفط قريب من اسرائيل ورخيص وعندما تتم عملية التطبيع على كافة الصعد يسهل الحصول
على تلك الثروة بأسعار رخيصة.
لم يكن إهتمام الصهاينة بالخليج العربي وشؤون الخليج وليد الحاضر بل كان منذ فترة الشاه بهلوي ما بين
الخمسينات والستينات من القرن الماضي حيث كان يقدم لهم النفط مقابل الدعم السياسي لنظامه القمعي
بالإضافة لإستخدامهم الأراضي الايرانية من كرمنشاه على الحدود العراقية الإيرانية لمد الحركة الكردية
بالسلاح والدعم السياسي والإداري والتنظيمي وبعد سقوط الشاه أصبحت خطوط الطاقة تعاني من مشاكل
ولذلك وضع الصهاينة دول الخليج تحت المجهر باعتبارها كانت تلعب دورا كبيرا في مساندة المقاومة
الفلسطينية التي كانت تشكل خطرا كبيرا على اسرائيل.
عندها عمدت اسرائيل الى تقديم مقترح لدى الكونغرس تحت عنوان أبار النفط كأهداف اقتصادية وعسكرية
في نوفمبر من العام 1975 , مؤلفة من ١٥ الى ١٧ صفحة استعرضت للنقاش وهي خطة صهيونية
لاحتلال شريط النفط من الكويت الى مسقط عام 1975 لأنه حينها كان هناك حظر نفطي في حرب اكتوير
من قبل السعودية والامارات وطرح الصهاينة في هذا المقترح عدم ترك الطاقة بيد العرب لذلك كانوا
مستعدون لاحتلال تلك الأراضي.
وفيما يتعلق بخطة آبار النفط كأهداف عسكرية واقتصادية:
كان القرار الذي اتخذته اعضاء،منظمة الدول العربية المصدرة للبترول <اوبك> في اكتوبر من العام
1973 والذي ادى الى فرض حظر نفطي على الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة نقطة تحول تاريخية على
الرغم من رفع الحظر المفروض على الولايات المتحدة في مارس من العام 1974 .
فبعد أن ازدادت أهمية النفط الاستراتيجية والسياسية والجيوسياسية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى
والثانية بسبب الاستعمال الجديد له في المجالات الصناعية والاقتصادية والتجارية والعسكرية فكان هدف
الدول الصناعية الحصول على النصيب الاكبر من الاحتياطات النفطية وعلى رأسهم الولايات المتحدة
الامريكية وبريطانيا ما جعل هذه المادة ، مادة الذهب الاسود وذلك بعد سيطرة الدول الاستعمارية وبروز
المشروع الصهيوني الذي كان يسعى وراء نفط الشرق الاوسط .ففي العام 1967 إحتلت اسرائيل وفي ستة
أيام صحراء سيناء والجولان السوري وقطاع غزة والضفة الغربية ومزارع شبعا اللبنانية وعلى اثرها انعقد
مؤتمر الخرطوم في شهر آب من العام نفسه بين الدول العربية لتوحيد جهودهم ضد كل من اسرائيل وكل
من يدعم المشروع الصهيوني وخاصة الولايات المتحدة الامريكية وخرجت القمة بمقررات توحيد الجهود
العربية وعدم الصلح مع اسرائيل او الاعتراف بها والتمسك بالقضية الفلسطينية واستخدام سلاح النفط .
وكان رواد هذه القمة الرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك السعودي فيصل بن عبد العزيز ال سعود
اللذين تصالحا بعد الخلاف على الازمة اليمنية، فنشبت حرب اكتوبر 1973 بين كل من مصر وسوريا ضد
اسرائيل لاستعادة الاراضي المحتلة وبعد أن بدأ الحظر العربي للنفط ضد الدول الغربية التي ساندت
اسرائيل في حرب اكتوبر وضد الولايات المتحدة الامريكية .
قامت منظمة دول اوبك برفع سعر برميل النفط بنسبة 70 بالمئة وتخفيض الانتاج بنسبة 5 بالمئة اي بإنتاج
اقل سوف تحصل على مداخيل اكثر حيث كانت صادراتها تشكل ثلثي صادرات النفط العالمية وتم تأميم
الشركات الاجنبية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا وإرتفع سعر النفط بنسبة 360 بالمئة ببن عامي1973
و 1974.وسرعان ما زار وزير الخارجية الامريكية هنري كسنجر الملك فيصل في العام 1974 وطالب
بوقف الحظر وربط النفط بالدولار على السعر المتزايد بدلا من اي عملة اخرى وإقناع دول اوبك بإعتماد
الدولار كعملة موحدة ليتم استثمار العائدات النفطية في سندات الخزينة الامريكية أي تسليم عائدات النفط
لخزينة الولايات المتحدة الامريكية مقابل تأمين الحماية لمنطقة الخليج العربي.
وشهدت الولايات المتحدة الامريكية آنذاك نقصا حادا في مواد الطاقة نتيجة الحظر لانها تعتمد بشكل كبير
على النفط العربي واتجهت الى سياسة التقنين وتم تسريح حوالي 250 عامل وتحديد السرعة للسيارات
وارتفعت اسعار السلع وازاد العجز في الميزان التجاري الامريكي .
كما شهدت الدول الاوروبية في اواخر العام 1974 ازمة حادة في الطاقة حيث توقفت المصانع وشُلت
حركة النقل و فرضت كل من فرنسا وهولندا على مواطنيها استخدام الدراجات والأحصنة وارتفعت اسعار
السلع في دول أوروبا وإنخفضت قيمة عملاتها فشهدت مرحلة التضخم وانتشار البطالة مما جعلها تقف على
الحياد وتراجع دورها في الشرق الاوسط .
كما قاطعت اليابان علاقتها مع اسرائيل لانها تعتمد بنسبة 80 بالمئة من النفط العربي الايراني بعد ان
شهدت تضخم وبطالة وتراجع في قيمة الاسهم اليابانية الى النصف .
وانتقلت الازمة الى الدول النامية فأثقلت ديون اقتصادها بسبب تراجع الدول الصناعية بالطلب على المواد
الاولية وإرتفاع اسعار النفط فقاطعت معظم الدول الاسيوية والافريقية علاقاتها الودية بإسرائيل واقامت
علاقات سياسية واقتصادية مع العرب.
واذا قرأنا التاريخ جيدا نرى أن الأمر لم يكن متوقفا على ديمومة الحظر العربي للنفط عن الغرب في تلك
الفترة بل علينا أن نلقي نظرة شاملة لنجد أن خطورة الأمر كانت موصولة بتلك الاكتشافات النفطية الهائلة
التي طورها السوفيات في منطقة الغولفا الاورال خلال الفترة من 1955 الى 1960. فعندم ما اصبح
الاتحاد السوفيتي ثاني اكبر منتج للنفط بعد الولايات المتحدة الامريكية هنا بدأت المنافسة بين شركات النفط
العالمية في ظل الفائض الانتاجي الكبير حيث كانت الشركات النفطية السوفيتية تبيع بأسعار تصل الى
نصف سعر نفط الشرق الاوسط الرخيص اصلا.
فعمل الامريكيون على عرقلة امدادات النفط السوفييتية الى الدول الاخرى وخاصة الاوروبية منها بمنع
حدوث اي اتفاق لشراء النفط السوفييتي حتى لو تطلب الامر اغتيال من يسعون لذلك او لمثل تلك الإتفاقات
وهذا ما فعلته مع رئيس شركة إينياالايطالية في العام 1962 والذي كان يعمل على مد خط انابيب لضخ
النفط الروسي لدول اوروبا الشرقية ومنها هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا.
وكان الاتحاد السوفييتي قد بدا بالدخول الى الشرق الاوسط منذ منتصف الخمسينيات وكثف وجوده في
البحر المتوسط منذ منتصف الستينيات ومنذ ذلك الوقت اصبح منغمسا في الصراع على النفط فبدأ يخوض
معركته ضد الدول الغربية ولكن الولايات المتحدة كانت متطمئنة الى امتلاكها ورقة اخيرة وهي الردع
النووي ويمكن بها ردع السوفيات عن التمادي في المنطقة للمحافظة على مصالح الغرب الاستراتيجية
والعسكرية الا أن المتغيرات التي حدثت في السبعينيات والتحديات التي واجهها الغرب قد اضفت على
الاستراتيجية الامريكية بعض التعديلات الجوهرية فقد هُزمت الولايات المتحدة الامريكية امام الفيتناميين
الامر الذي جعل مركز الغرب يصاب بنوع من الانتكاسات ورأت شعوب المنطقة المقهورة في هذه
الانتصارات خطوة في اضعاف الغرب والولايات المتحدة كما ان الانظمة المحسوبة على الخط القومي
والعلماني كالعراق ومصر وسوريا قد كثفت علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي على المستوى السياسي ومستوى
التسلح والتجارة ومن ثم جاءت الطفرة الكبرى في اسعار النفط اثر حرب العام 1973 وتحرير دول اوبك
من هيمنة الشركات النفطية العالمية في تحديد السعر ودخول السوفييت الى افغانستان في العام 1979
والثورة الاسلامية الايراانية ما ادى الى ادخال تغييرات جوهرية على الاستراتيجية الامريكية النفطية في
المنطقة حيث عملت على رفع مستوى التعاون والتنسيق مع انظمة الدول النفطية خاصة السعودية والعراق
بإتجاه اغراق السوق بالنفط وتجميد منظمة اوبك .
ولا بدّ من ذكر الدوافع التي جعلت العرب من ترشيح بطاقة الحظر النفطي حيث لم تكن الأسباب سياسية
فحسب بل تدخلت عجلة الاقتصاد فكانت تلك الدول تعتبر دول فقيرة حينها وكان فيها شركات نفط بريطانية
وامريكية تسمى الاخوات السبع “Mobile oil, standard, esso,gulf, bp , Texaco” وهي مهتمة
بإستخراج النفط وتصديره والارباح التي تعطيها لدول الخليج لم تكن عادلة ولكن بعد الحظر تغير كل شيء
وتقلصت نفوذ تلك الشركات واستطاعت الدول المصدرة للنفط رفع اسعار النفط الى ٤ اضعاف. وفي ذلك
الوقت صرفت المملكة العربية السعودية ملياري دولار لشراء اجهزة واسلحةٍ حديثة لتطوير الجيش ودفعت
السعودية 2,3 مليار دولارلدول المواجهة مع اسرائيل أي سوريا ومصر والاردن بالاضافة لمنظمة
التحرير الفلسطينية وكل ذلك ادى لأن يكون الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود زعيم عربي الابرز
لدرجة ان مجلة تايمز البريطانية وضعت صورته على مغلفها وإختارته رجل العام لعام 1974 ونشروا
عنه مقال تحت عنوان الملك فيصل والنفط يقودان بإتجاه نظام عالمي جديد Faisal and oil driving
toward a new world.
ان هذه الحروب قاعدتها الأساس استمارارية الثورة الصناعية وتهافت الدول للحصول على المركز الأول
بعد تسلمه عصا سحرية تشمل الموارد الطبيعية ليديرصاحبه العالم بقوتها فان تأثيرات التغير في طرق
الصناعة ما زالت مستمرة حتى الآن ودليل ذلك هو البترول، حيث ذكر باحثون في دراسة نشرتها جامعة
تورونتو للصحافة في عام 2018 أن اعتماد الإنسان في كل أموره تقريبًا منذ بداية الصناعة كان على
الفحم، فعن طريق الفحم يستطيع أن يحرك كل شيء بدايةً من السكك الحديدية ووسائل التدفئة في المنازل
إلى أن ظهر البترول في بداية الأربعينيات على الساحة وبدأت مشتقاته تنتشر وبدأ استخدامه في تشغيل
المحركات.
كما ذكرت الدراسة أن التحول من الفحم إلى البترول ليس له سبب معين مفهوم؛ حيث أن كل دراسة كانت
تضع أسبابًا مختلفة، ولكن الإجابة الأشمل ذُكرت في كتاب: «الفحم والبترول والغاز الطبيعي» للكاتب
الفرنسي برناند دورند فذكر أن البترول ومشتقاته لم توفر بديلاً للفحم فحسب، ولكنه في ذلك الوقت كان هو
البديل الحي الذي أسهم في توفير عمال المناجم وعمليات الاستخراج الصعبة للفحم، واستبدلها بشركات
وتجارة استغلها بعض رجال الأعمال الذين أقاموا شركات البترول الخاصة بهم.
وذكر برنارد أيضًا أن القلة القليلة التي عرفت أن البترول هو المستقبل أصبحوا أغنى أغنياء العالم في
ذلك الوقت مثل جون روكفلر الذي أسس شركة (استاندرد أويل) الأمريكية في ولاية نيوجيرسي، وهو ما
جعله أحد أغنى أغنياء العالم ، وكان هذا هو أول وقت يظهر فيه للجميع أن الثروات الطبيعية هي المستقبل،
فبدأت الدول تقوم بإنشاء شركات البترول أو تشتريها أو تشارك فيها، وفي فترة الستينيات اتضح الأمر
للجميع، وبدأت الدول تبحث عن البترول وتسعى لتكريره، وأصبح أهم من الذهب في دول كثيرة.
وأدى هذا الأمر إلى ظهور حروب وصراعات متعددة مثل الصراع بين أمريكا وكوبا في أزمة الصواريخ
الكوبية حيث كانت أمريكا تستفيد من خطوط نقل النفط في كوبا، وكذلك ظهرت حروب الخليج الأولى
والثانية في الثمانيات والتسعينيات، وأيضًا الصراع الأمريكي الإيراني المستمر الذي بدأ بالبترول ووصل
إلى المجال النووي.
ويوجد في التاريخ كذلك حروب قد تأثرت بالنفط وهو ما حدث في حرب أكتوبر عام 1973، حيث تم حظر
النفط الخليجي مما أدى إلى ارتفاع سعر البرميل وإلى قطع الإمدادات عن أمريكا والكثير من الدول
الأوروبية عندما وقفت دول الخليج مساندة لمصر في حربها.
ومؤخرًا تأثر سعر برميل النفط بسبب فيروس كورونا، حيث أثبتت الدراسات أن سعر البرميل انخفض ما
بين 2019 ونفس الفترة في 2020 بنسبة 85%، وكذلك الأزمات الحادثة ما بين دول منظمة الأوبك بلس
المصدرين للنفط الذي يقوم على نقصان أو زيادة عدد معدلات الإنتاج النفطية يوميًا وما تحدده المنظمة لكل
دولة تؤدي إلى حدوث خلافات بين الدول.
ويطرح مهندس البترول الأمريكي السابق Gary Vogler سؤالاً مهمًا في كتابه [العراق وسياسات النفط]،
حيث يتساءل “جاري” إن كانت حرب العراق بسبب البترول، فيقول إنه كان يظن أنه يعلم الإجابة جيدًا
بصفته أحد المشاركين في العمليات البترولية الأمريكية في العراق في ذلك الوقت، ولكن تبين له أنه لا
يمتلك المعرفة الكافية في هذا الأمر حيث اكتشف “جاري” أن عمليات التنقيب لم تكن عمليات متفرقة
فحسب، ولكن خطة استخراج النفط من العراق كانت خطة ممنهجة وأنها كانت جزءًا لا يتجزأ من خطة
الحرب ككل، وأن اتهام العراق بامتلاك أسلحة الدمار الشامل كان مجرد ستار.
وإذا نظرنا إلى مادة الفوسفات نجد أنها مادة كيميائية لها استخدامات كثيرة من أهمها إنتاج حمض
الفوسفوريك حيث يدخل هذا الحمض في التعدين وعمليات التصنيع الحربي وصناعة الكبريت والنسيج، كما
أن هذه المادة تستخدم في صناعة الأسمدة الزراعية وقد تستخدم في الكشف عن المواد المشعة، وجميع هذه
الأمور ترفع من قيمة مادة الفوسفات مما يعزز اقتصاد أي دولة تمتلك مناجم الفوسفات.
في عام 2018 ظهرت أخبار الصراع بين روسيا وإيران على الفوسفات في الأراضي السورية، حيث
وقعت وزارة النفط السورية عقود تعاون مع شركة روسية تعدينية (ستروي ترانس) ، ويخول هذا العقد
للشركة التنقيب عن الفوسفات في مناجم مدينة تدمر السورية واستخراجه لمدة خمسين سنة، وكان الرفض
الإيراني لهذا العقد، وقامت الدولتان بإرسال قوات لحماية مناجم الفوسفات في تدمر، حيث أرسلت إيران
جماعاتها المسلحة في المنطقة، وأرسلت روسيا فرقة من الجيش تسمى “قوات النمر” التي حذرت إيران من
استخراج أي شيء من مناجم الفوسفات وإلا سيتم استخدام القوة.
ولكن إيران رفضت الانصياع وأخرجت حمولة من مناجم الفوسفات، مما أدى إلى أن تنفذ القوات الروسية
التهديد وقامت بضرب الحمولة واستولت على جميع المناجم وطردت الميليشيات الإيرانية من جميع المناجم
تمامًا، وبدأت في استخراج الفوسفات بحسب العقد المبرم، وهذا ما أكدته وكالات الإعلام الروسية (RBC)
والإيرانية (فارس).
وفي دراسة للكاتبين السوريين عزام العلاف وعزام سعيد تم نشرها في معهد الجامعة الأوربية في 2020
ذكر أن الاهتمام الروسي بالفوسفات السوري يرجع تاريخه للخمسينات حيث كشفت البعثات الروسية آنذاك
عن وجود كميات كبيرة من الفوسفات في الأراضي السورية، ومنذ ذلك الوقت اهتمت روسيا بعمل عقود
شراكة عديدة مع سوريا في هذا المجال، وبعد الأحداث السورية صارت هذه العقود بسعر منخفض جدًا،
فالعقد السابق ذكره بين روسيا والسوريين نص على أن حق الانتفاع الذي يمتد خمسين سنة يكون مقابل
تسوية ديون سورية عند روسيا.
ومن ناحية أخرى حاولت إيران عام 2021 أن تنجح في عقد صفقات سورية مشابهة للصفقة الروسية أملاً
في الاستيلاء على مخزون يقدّر بحوالي مليار طن من الفوسفات، وفي انتظار توقيع الطرفين، وفي المقابل
فإن إيران وعدت بمساعدة النظام السوري عسكريًا في الحرب الأهلية.
وقد يتساءل البعض: أن حدوث صراع على ثروات بلد مشتتة في الحرب منذ سنوات مثل سوريا أمرٌ
طبيعي، فالأمر ليس مختصًا بالفوسفات على سبيل التحديد، ولكن ذُكر في كتاب [الصحراء الغربية الحرب
والقومية والصراع غير القابل للحل] ل “ستيفن زينوس” والكاتب “جايكوب مندي” تاريخ أحد أقدم
الصراعات في أفريقيا عندما انسحبت القوات الإسبانية من الصحراء الغربية والمغرب عام 1975 بعد
سيطرة دامت 91 سنة.
وكان المغرب قد أعلن أحقيته في هذه المنطقة الصحراوية منذ عام 1957، وظهرت بها قوات عام 1973
تسمى بقوات البوليساريو تشكلوا من السكان الأصليين للمنطقة الذين طالبوا بأحقيتهم في الأرض مما أدى
إلى أن تعلن المحكمة الدولية بعد أن انسحبت القوات الإسبانية حق السكان الأصليين في تقرير المصير.
ولكن الملك الحسن الثاني ملك المغرب في ذلك الوقت رفض قرار المحكمة وأعلن عن المسيرة الخضراء
التي كانت تهدف إلى تحرك للآلاف من الأسر المغربية ناحية الصحراء المغربية للسكن والعيش فيها مما
كان سيمهد لسيطرة المغرب على المنطقة، وأدى ذلك إلى قيام حرب بين البوليساريو والقوات المغربية
استمرت ستة عشر عامًا، حيث تمسكت قوات البوليساريو بقرار المحكمة الدولية وأعلنت عن قيام
الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عام 1976، ثم قامت القوات المغربية بإنشاء الجدار الرملي
وهو حاجز رملي على مساحة كبيرة يؤمّن المناطق المهمة المغربية في هذه المنطقة ويمنع من وصول أي
شخص لها.
وهنا يظهر دور الموارد حيث إن هذه الأراضي المهمة بالنسبة للمغرب ما هي إلا مناطق غنية بالثروات
الطبيعية والتي من أهمها مناجم الفوسفات التي تحتل مساحات مهولة من الصحراء الغربية، بالإضافة إلى
أن هناك عدة دراسات تقرر بوضوح وجود النفط تحت هذا الفوسفات إلا أنه لم يتم اكتشافه بعد، وهذا وفقًا
لعدة دراسات مثل دراسة توبي شيلي من جامعة بوسطن عام 2005، ودراسة جيفري سماث من جامعة
ماكغيل عام 2015.
وفي عام 1991 تم إيقاف الحرب بالقوة عن طريق الأمم المتحدة التي فرضت وقف إطلاق النار على
الطرفين، إلا أن المناوشات استمرت وكان آخرها في عام 2020 عندما قامت قوات البوليساريو بقطع
طريق حدودي بين المغرب وموريتانيا، حيث وصفت المغرب هذا الفعل بـ “الاستفزازات المسلحة المخترقة
لوقف إطلاق النار”، إلا أن البوليساريو أعلنت التزامها بوقف إطلاق النار وأن ما حدث ليس إلا حالة دفاع
عن النفس.
إن الجمهورية الصحراوية تحظى بدعم واعتراف عدة حكومات كما أنها انضمت للاتحاد الأفريقي من عام
1984، ويستعد المغرب الآن بالاعتراف بهذه الدولة بشرط أن تظل تحت السيادة المغربية، ولكن
الجمهورية الصحراوية تنادي بالاستقلال التام.
وهناك العديد من الموارد التي يقوم عليها الصراع، وفي دراسة تابعة للمعهد الألماني للأبحاث العالمية
والإقليمية قام بها الباحثان الألمان كارلو كوس وماثياس بيسدو في الدراسة تم طرح سؤال مهم وهو هل
وجود اليورانيوم في أراضي بعض الدول يؤدي إلى وجود صراعات أهلية؟ واستشهد الباحثان ببعض الدول
الأفريقية مثل الكونغو حيث جمعت قبائل منطقة الكاتانغا أنفسها وقررت الاستقلال عن الدولة منذ عام
1960، ومنذ ذلك الحين هم في حالة حرب مع الكونغو، وسبب ذلك أن هذه المنطقة زاخرة باليورانيوم
الخام.
وكذلك في المنطقة الحدودية بين ناميبيا وجنوب أفريقيا، نجد أن الصراع استمر من عام 1966-1990
بسبب مطالبات قبائل ناميبيا بالاستقلال، ولم يكن هذا الصراع سوى حرب أهلية قبل إعلان ناميبيا دولة
مستقلة، وكانت مناطق الصراع في مناطق اليورانيوم ومناطق المناجم الخاصة بالتنقيب عنه، إذن فهو أحد
أسباب الصراع الناميبي للاستقلال عن جنوب أفريقيا بسبب الاحتلال البريطاني والعنصرية السائدة في تلك
المنطقة، حتى تم إعلان استقلال ناميبيا والابتعاد عن جنوب أفريقيا.
وبالنسبة للحروب العنصرية في الثمانينيات في جنوب أفريقيا، فنجد أن مناطق الصراع المحتدم والمسلح في
ذلك الوقت سواء في الصراعات الأهلية أو الصراع مع بريطانيا كانت على مناطق محاطة باليورانيوم،
والتي أصبحت الآن ملك الحكومة الجنوب أفريقية.
وهناك ثورات قبائل الطوارق في المنطقة الصحراوية بين ليبيا والجزائر والنيجر ومالي وبوركينا فاسو،
وتحديدًا أراضي النيجر الزاخرة باليورانيوم مما جعلها مستميتة في محاربة الطوارق وإعادة إحياء الحرب
مرة في التسعينيات ومرة في الألفينيات، والمشكلة ليست في الصراع على الموارد حيث أصبح أمرًا عاديًا،
ولكن الفكرة هي في استغلال المنتصر لهذه الموارد.
فعلى سبيل المثال لو ظهرت جزيرة ظهرت في البحر ثم تنافست قبيلتان (أ – ب) على هذه الجزيرة،
واستطاعت القبيلة (أ) السيطرة على تلك الجزيرة الغنية بعنصر اليورانيوم، فإن (أ) ما زالت مجرد قبيلة لا
تملك أي اقتصاد قوي أو أي أموال تتمكن به من استخراج اليورانيوم التي تسيطر عليه، وفي نفس الوقت
فإن القبيلة (أ) تحتاج إلى بيع اليورانيوم حتى تحصل على المال، فهذه إذن حلقة مفرغة يصعب الخروج
منها.
وفي هذه الحالة قد تقوم القبيلة (أ) بالإستعانة بدولة متقدمة تطلب منها استخراج اليورانيوم مقابل المال، وقد
يتم الاتفاق على هذه الصفقة فترة خمسين سنة، وبالطبع فإن الدولة المتقدمة سوف تستغل الوضع حتى تحقق
العديد من المكاسب الأخرى، وقد تطالب هذه الدولة من القبيلة (أ) أن تعطي جزءًا من الأرض للقبيلة (ب)،
وتضطر القبيلة (أ) إلى قبول هذا الشرط.
وخلاصة الأمر أن الأفراد يحاربون بعضهم بعضًا للاستحواذ على الموارد الطبيعية ثم بيعها لبلاد غريبة
مقابل المال، رغم أن هذا العنصر هو اليورانيوم الذي إن وُجد في دولة فإنها تمتلك سيادتها وقوتها في
منطقتها مهما كانت السياسات أو الصراعات الدائرة.
إن الموارد غير المتجددة يبني الإنسان عليها قوته ونفوذه، ولذلك فإن وجود هذه الموارد يزيد من قوة
صاحب الأرض الموجودة فيها، وعدم وجود هذه الموارد يؤدي إلى مزيد من البحث عنها لإيجادها
واستخدامها لمن يدفع المقابل لها، وفي كلتا الحالتين فإننا نحن الخاسرون؛ لأن الحرب على الموارد هي
حرب أهلية كبيرة ليست حربًا بين القبائل في البلد الواحدة، ولكنها حرب الإنسان ضد نفسه على الطبيعة،



