ثقافة

عودة جميلة إلى ثلاثينيّات ليبيا

إيلي عساكر/موقع الامة/ /29/08/2024

درب الريش“، إصدار جديد لشركة المطبوعات للتوزيع والنشر للكاتب علاء الدرسي. إصدار قد يعتبره القارئ كما الناقد، مغامرة غير محسوبة للدار، خاصّة أنّها الرواية الأولى للكاتب الليبي الشاب، وتقع في 713 صفحة، تشبه بحجمها روايات الشقيقات السبع من إصدارات الدار نفسها، لكن بعد قراءة الرواية نجد أنّها تستحقّ النشر والقراءة. رواية تدور أحداثها في الصحراء الليبيّة الساحرة، تعيد إلى أذهاننا إبداعات “كاتبنا العالمي” ابراهيم الكوني ورواياته المرتبطة قلبًا وقالبًا بالصحراء.

ما يجذبنا من الصفحات الأولى، الأسلوب الفصيح الذي نفتقده في أغلب الروايات العربية الحالية، التي تنحو نحو السهولة المبالغ فيها لترضي جميع القرّاء على اختلاف مستوياتهم. فالكاتب لا يتردّد في استخدام بلاغة استثنائية في الوصف، من مثل وصف العاصفة الرمليّة: “… تحت سماء ما صفا فسيحها ولا استبان علوّها إلّا قريبًا. فالهوجاء كانت أمس حاكمة قبل أن تعود بعد سبعٍ إلى مداس الأرض محكومة“. في الرواية استعمل الكاتب لغتين مقصودتين؛ أحدهما فصيحة بليغة يلهج بها أهل البادية الليبيّة المسلمون وأخرى سهلة بسيطة يتحدّث بها المستعمرون النصارى الطليان.

36 شخصية أحصيتها ما عَرَفت البطل منها من البطل الثانويّ من الشخصيات الثانويّة، وما استطعت تحديد من هو المساعد ومن هو المعاكس؛ لأنّ الشخصيّات تلعب الأدوار  كلّها، وهو أمر  جديد ومستغرب في الرواية العربية يجب التوقّف عنده، وإعطاء الكاتب العلامة الكاملة من حيث حبك الأحداث، فهو لا يترك خيوطًا متفلّتة لينسجها القارئ أو ينتقدها الناقد. فهو (الكاتب)، ومنذ البداية، يعلم مَن مِن الشخصيات سوف يفعل ماذا ومتى. والخيط الروائي الجامع بينها، هو ذلك الكنز/السرّ الذي يسعى إليه الجميع على الأرض الليبية. وقد تفنّن الكاتب في توصيف الحياة الليبية في فترة ثلاثينيّات القرن الماضي بما كان فيها من عادات وتقاليد وأعراف وما استجدّ عليها بعد الاستعمار “الموسولينيّ” الإيطالي.

سرّ الوجود المستقرّ في صندوق خشبيّ صغير، غاية جميع الشخصيّات وغاية الشيوخ المباركين وغاية الفاتيكان نفسه، وهنا نتوقّف عند مغزى الرواية وأبعادها، وهو أن يسأل كل فرد منا نفسه، ما سرّ وجوده؟! وهو جواب حصلنا عليه من كلّ شخصية من الشخصيات: سر ّوجود بعضهم هو المال، ذلك الإله الذي ما انفك يفتك بالجميع، وهو عند آخرين الصفاء والارتقاء الروحي وهو ما يحتّم رحلة من الشقاء والعذاب للوصول إلى الاستنارة، وعند آخرين في الرواية هو التخلّص من تبعات الماضي الذي لا ذنب لهم فيه ولا اختيار، لصنع وجود جديد… وعند آخريات هو الانتهاء من هذا الوجود لمعرفة ماذا يوجد ما بعد الوجود.

عالمان من العام 1936 يصطدمان يندمجان يرتطمان ويتشظيّان نثرات غير متكاملة، عالم المسلمين في أنجاعهم وقبائلهم وأسَرهم بما فيه من صفاء روحي وبعد رؤيوي ديني بكلّ ما يخالطه من غيبيّات وخرافات وانقسامه بين خيّر وشرّير؛ وعالم النصارى بأطماعه وطموحاته الاستعمارية، وجنود القمصان السود المرتزقة المضلّلين وقيادة تحاول إدارة بلد ليس لهم، بكلّ ما فيها من جهل ومؤامرة وضياع.

جهدْتُ لكي لا أفضح أي حدث من الأحداث التي تلي جنازة الجدّ لورنزو لويسكي لأن كلّ كلمة وكلّ حدث هو حجر أساس في كلّيّة الرواية، وتصبح كأحجار الدومينو إذا فضحْتُ واحدة انقلبت على غيرها وأطاحت بالمجموعة كلّها؛ ولهذا أترك لك عزيزي القارئ أن تقرأ الرواية، وأنا واثق أن ستقع في شباكها الأدبيّة من الصفحة الأولى ولن تخيفك صفحاتها التي تزيد عن السبع مئة.

(عزيزي القارئ، إذا قرأت الرواية ووجدت فيها ما يجب نقده لا تتردّد في التواصل معنا، لكي نستتبع هذا المقال بمقال آخر، نوسّع فيه الأفكار والأحداث والنقد البنّاء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى