مديح حافظ الأسد في كتاب كيسنجر الأخير

إيلي عساكر / موقع الأُمَّة /
لقد قرأت كلّ كتب هنري كيسنجر، تقريبًا، وقد شاركت في تدقيق وتنقيح ترجمة كتابه الأخير “القيادة: ست دراسات في الاستراتيجية العالمية” من إصدارات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ترجمة محمد خليفة عثمان. كتاب دقيق يدخل في باب السير الغيّرية مطعّم بتجارب كيسنجر الخاصة، وقد تذبذب أسلوبه ما بين الموضوعية والذاتية والسردية التاريخية الخاصة. كتاب تصلح مقدّمته درسًا أساسيًّا في دروس العلوم السياسيّة، خاصة، عندما يتحدّث عن جوهر القيادة بين: رجل الدولة الذي يركّز على الحفاظ على مجتمعه وعلى تلطيف حدود العمل السياسي؛ والقائد صاحب الرؤية الذي يقود مجتمعه إلى مكانة أعلى من المكان الذي يوجد فيه، ويتخطّى كلّ الحدود السياسيّة المرسومة.
ستّ شخصيّات عالمية يتحدّث عنها وعن تجاربها في “القيادة”، بداية من كونراد أديناور الذي قاد ألمانيا الغربية بتواضع، ليضعها، بعد الدمار الكبير الذي لحق بها جرّاء الحرب العالمية الثانية، في مقدّمة دول العالم؛ مرورًا بشارل ديغول وصلابة إرادته، وإدارته لأزمات الحكم الفرنسي؛ والرئيس ريتشارد نيكسون واسترتيجية الحلّ والربط خاصة مع روسيا والصين وفيتنام؛ ومن بعده أنور السادات، واستراتيجية التسامي وخطواته التي تخرج عن المسار التاريخي العربي في العداء لإسرائيل؛ ومن بعده فصل عن لي كوان يو، وبرأيي هو أجمل فصل في الكتاب، الذي حوّل سينغافورة من بلد متخلّف تحكمه العصبيّات والاختلافات الإثنية، ويضغط جيرانها عليها وبقوّة، إلى واحدة من أكثر الدول نجاحًا اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا؛ لينتهي الكتاب بفصل مارغريت تاتشر وقوتها التي تستمّدها من قناعاتها.
كان لافتًا في الكتاب، وفي فصل أنور السادات، عنوان صغير “الجانب السوري”؛ ثلاث صفحات فقط، يتكلّم فيها كيسنجر عن حافظ الاسد، ويمدح في خصاله الشخصيّة والسياسيّة والقيادية. مديحًا غريبًا وخارجًا عن سياق مجمل حديثه عنه في كتبه السابقة. فيقول كيسنجر : “حقّقتْ رؤية السادات الأخلاقية والفلسفية أعظم اختراق في عصره وفي سياقه. بينما كان الرئيس السوري، حافظ الأسد، ينتهج نهجًا عمليًّا محضًا، وكان يطمح بشراسة وبمستوى ذكاء مرتفع للوصول إلى قيادة العالم العربي، على الرغم من إدراكه بتعذّر تحقيق هذا… وعانت سوريا لقرون من الإخضاع والتقسيم… وهو ما تسبّب في ضعف قوّتها وثقتها في إمكاناتها الذاتية… وعلى الرغم من ذلك، تمكّن الأسد بإصرار وعزيمة وحنكة من الحفاظ على بقاء سوريا في خلال خوضها مجابهات مع محيطها الدولي، في الوقت الذي لم يؤمن فيه الرئيس السادات بإمكانات بلاده الداخلية”.
ذكاء مرتفع، طموح شرس، إصرار، عزيمة، حنكة صفات وخصال يعطيها للأسد ولم يعطها للسادات على الرغم من أن الفصل بأكمله كان عنه. ويتحدّث الكاتب عن أسلوب الأسد التفاوضي “العملي والمفيد” الذي أتى بنتيجة، فعلى الرغم من أن الأسد لم يبرم اتفاقًا مع إسرائيل ولم ترد كلمة سلام في كل المفاوضات غير المباشرة بعد حرب 1973، فقد كانت أحكام مفاوضاته مع كيسنجر “الواقعية، البعيدة عن العواطف، عملية وملحوظة”. ملاحظات موضوعية بالظاهر عن الأسد ساقها كيسنجر، ونعلم أنه كان في جعبته أكثر مما باح به؛ ولكن هذا ما اكتفى به. ماذا حدث للجولان؟ ما كانت نتيجة المفاوضات الفعلية التي ترأّسها الأسد كلّها؟ لا نعلم، فقد رحل الرجلان وقالا ما قالاه.
شهادة الكتاب الأخير، قالها كيسنجر عن الأسد، ومضى عن هذه الحياة، وفي ذلك عبرة لنا عن خصال القائد الحقيقيّة قبل الشجاعة والإقدام وقبل الحروب والمعارك؛ فعلى القائد أن يكون ذكيًّا محنّكًا قادرًا على خوض حقول الألغام من دون أن تنفجر فيه، فيحافظ على بلده وشعبه ومجتمعه، وعليه انتهاج الأسلوب العملي والابتعاد عن العاطفي وعن الانفعالات السريعة التي لا طائل منها. يبدو كلامه وعظ إيعازي موجّه إلى تلامذة صفّ ابتدائي؛ ولكنّ كيسنجر في عامه المئة، كان هذا أعظم اكتشاف له، يتركه للأجيال الأتية.
في الكتاب، سِيَر قادة طبعوا التاريخ الحديث بأعمالهم، في أحلك الظروف وفي هوّة ضعفهم صنعوا قوّة، تجرّ مجتمعاتهم نحو الأفضل والأعلى. وعندما اعتقد الجميع أن دورهم انتهى، اكتشفوا أن قادتهم، هم خشبة خلاصهم في مواجهة الأزمات التي كانت لتقسّم كلّ شعب إلى شعوب.




