مقالات

الأزمة الليبية: اجتماعية-سياسية – داخلية أم خارجية؟

موقع الأمة/إدريس أحميد ..صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي من ليبيا/

تعد ليبيا من الدول التي شهدت تاريخاً طويلاً ومعقداً مليئاً بالأحداث والتحولات السياسية والاجتماعية، حيث حمل تاريخها العديد من المراحل التي أثرت في شعبها وشكلت هوية البلاد عبر العصور. على الرغم من كونها واحدة من الدول التي تمثل نموذجاً للمقاومة ضد الاستعمار، فإن الأزمة الحالية التي تعيشها ليبيا تُعد نتاجاً لعدة عوامل اجتماعية وسياسية تداخلت داخلياً وخارجياً.

الجهاد ضد الاستعمار

بدأت أزمة ليبيا منذ وقت طويل مع بداية الاحتلال الإيطالي في أواخر القرن التاسع عشر، حيث تصدى الشعب الليبي لهذا الاحتلال عبر حركة جهادية مسلحة بقيادة شيخ الشهداء عمر المختار. كانت معركة القرضابية 1915 واحدة من أبرز المعارك التي جسدت الوحدة الوطنية الليبية في مواجهة الاحتلال الإيطالي الفاشي، حيث خاض المجاهدون الليبيون معركة تاريخية أثبتت تصميمهم على تحرير الأرض. لم يكن هذا الجهاد مسلحاً فحسب، بل كان نضالاً سلمياً من خلال الجمعيات الوطنية التي تأسست في تلك الفترة، والتي لعبت دوراً مهماً في توحيد الشعب ضد الاستعمار.

الاستقلال وبداية النهضة

استقلت ليبيا في عام 1951 لتكون أول دولة عربية في منطقة شمال أفريقيا تحقق استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تميزت البلاد في العديد من المجالات مثل التعليم والإدارة والثقافة، رغم الموارد المحدودة. شهدت ليبيا نهضة تنموية متسارعة حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وبرزت في هذا السياق القوة الاقتصادية والاجتماعية على مستوى المنطقة. إلا أن هذه النهضة توقفت مع دخول البلاد في مرحلة جديدة بعد تغييرات سياسية في التسعينات.

التغيرات السياسية والاقتصادية في عهد سبتمبر

شهدت ليبيا تحولات كبيرة في نظامها السياسي على مدار أربعين عاماً، حيث كانت تحت النظام الجماهيري. وعلى الرغم من أن هذا النظام ساهم في تطوير العديد من مشاريع البنية التحتية، إلا أنه كان مثار جدل داخلي وخارجي. انتقل النظام إلى تطبيق الاقتصاد الاشتراكي، وتمثل ذلك في “ملاكية الدولة” للعديد من القطاعات، مما جعل الدولة تتحكم بشكل مركزي في الاقتصاد. كما شهدت ليبيا العديد من المواجهات الإقليمية والدولية، خاصة مع الدول المجاورة، مما زاد من تعقيد الوضع الداخلي.

ليبيا مابعد الربيع العربي وتداعياته

جاء ما يُسمى بالربيع العربي، وما أثاره من تداعيات أدت إلى خروج مطالب لتغيير النظام، وانقسام الليبيين وانتشار السلاح، واستغلال دول الناتو للتدخل بحجة حماية المدنيين. اقتتل الليبيون بين مؤيد للنظام ومعارض له، وعقب سقوط النظام في 2011، تعمقت الأزمة ونشرت الفوضى في البلاد.

ماذا حدث بعد سقوط النظام السابق
أعلن تحرير ليبيا من طرف المجلس الانتقالي وبدأت الخطوة التالية :

1- كانت أولى خطوات المكتب التنفيذي بقيادة الراحل محمد جبريل ، جمع السلاح وحل التشكيلات المسلحة، التي رفضت بحجة حماية الثورة ،

2- زاد عدد التشكيلات المسلحة ودعمت بالاموال، وعادت في الارض فاسد وظلم، وسجون وتعذيب واقتتال فيما بينها .

3- تم الالتفاق على أولى انتخابات للمؤتمر الوطني العام في 7-7-2012 ،
وسيطر الإسلام السياسي مدعوم من التشكيلات المسلحة وبعض الأطراف المتحالفة معها ، على المؤتمر وفرض العزل السياسي ، لاقصاء الكفاءات التي شاركت معها في الثورة ، مما يؤكد عدم وجود رغبة في التغيير إلى الأفضل بل سيطرة لاطراف من جل خدمة مصالح شخصية واقليمية ،لابقاء البلاد في فوضي .
4- سيطرة التشكيلات المسلحة على مواليد الأمور في مختلف المدن الليبية ، على المؤسسات والقطاعات ، وارتهان الحكومات والتي تضمن لها البقاء في السلطة ، على حساب التنمية وتحقيق العدالة .
5-انتشار المزمن للفوضي والصراعات المسلحة والذي لازال احد اهم العقبات في سبيل توحيد المؤسسة العسكرية ، على الرغم من صدور قرارات دولية بمعاقبتها، مما يعطي دليل على رضا الدول الكبري على وجود الفوضي في البلاد ، على الرغم من وجود مؤسسات عسكرية ولجنة 5+5 المشكلة من الجيش الليبي من عموم البلاد ، بقرار البرلمان الليبي ، والتي استطاعت تأمين أكثر من ثلثي مساحة البلاد وإهمال الحدود الجنوبية المتاخمة لدول الجوار ، وتأمين المورد الأساسي لدخل البلاد وتحديد الحقول النفطية .
5- فشل الأمم المتحدة من خلال المبعوثين الدوليين ، والذي وصل عددهم” 10 ” ، استطاع اثنان منهم إنجاز اتفاق الصخيرات وحكومة الوفاق ، واتفاق جنيف الذي أنجز حكومة الوحدة الوطنية، التي تمثل اسواء حكومة وبسبب حجم الفساد وتوقف التنمية .

6- احتدام الخلاف بين البرلمان الذي مازال في السلطة منذ 10 سنوات ، وبين حكومة الوحدة الوطنية التي اعطها الثقة ، وكذلك التباينات بين مجلس الدولة وانقسامها إلى مجلسين، والبلاد تنتظر الحلول وإجراء الانتخابات.
7- على الرغم من وجود 68 حزبا سياسية ، لازالت في بداية طريقها ، ولكنها تعمل من أجل نشر الوعي الحزبي ؛بعد سنوات من إلغاء الأحزاب.

8- لازال البلاد بدون دستور ، والذي وضع في الإدراج في انتظار الاستفتاء عليه .
9- يعاني المجتمع الليبي بتعداده القليل من اكراهات معيشية ، بسبب توقف التنمية والفساد وارتفاع مستوي البطالة ، وانعدام الثقة في الحكومة والعملية السياسية ،ويشير ذلك إلى قلة الوعى والسلبيات، والاحباط مما حدث مابعد 2011 ، حيث يرى الكثيرون بأن التضحيات قد ضاعت بسبب القفز عليها .
أمام كل ذلك لم يبقي من المتفائلين سوى المستفيدين الخارقين في الفساد التي يهدد المجتمع الليبي ،
اما بقية الشعب فلازال ينتظر الحل من المجتمع الدولي والدول المتدخلة في البلاد ، بدون تقديم تضحيات بطريقة ، كما كان يحدث إبان النظام السابق.
ولازالت البلاد بعد 14 عامًا تتراجع إلى الوراء، مما يهدد وحدة البلاد في ظل المتغيرات الدولية وزيادة التدخلات الإقليمية، وإدارة الأزمة من قبل الأمم المتحدة بعد 10 مبعوثين دون وجود رؤية واضحة لمساعدة الليبيين على إنهاء الأزمة.

أين ملهمي و قيادات الثورة الوطنيون

هل سأل الليبيون أنفسهم عن القيادات الوطنية والمعارضين القادمين من الخارج، وتشكيلهم للمجلس الانتقالي الذي وعد الليبيين بالحرية والديمقراطية والدستور، ثم اختفوا عن المشهد؟ هل تناسوا دورهم في متابعة المسيرة كرموز للثورة؟ وكان لهم الحق في التدخل في أي وقت ضد ما حدث ويحدث، بدءًا من رفض تسليم السلاح وإنشاء تشكيلات مسلحة، والالتفاف على أول انتخابات شهدتها البلاد، حيث تميزت هذه الانتخابات في وقت قصير بتعداد الناخبين، لكن رفض بعض الأطراف التي ادعت الثورة والديمقراطية نتائج الانتخابات. ناهيك عن الأحداث التي أفشلت العملية السياسية، مما جعل البلاد تسير في المراحل الانتقالية، مع مزيد من التدخل الإقليمي والدولي، وانهيار اقتصادي وانتشار الفساد.
الأزمة الحالية: اجتماعية أم سياسية

إجتماعيا :

تتمثل الأزمة الليبية اليوم هي مزيج من الأزمات الاجتماعية والسياسية الداخلية والخارجية. فمن جهة، يمكن اعتبار الأزمة اجتماعية نظراً لانقسام المجتمع الليبي وتوزع الولاءات القبلية والإيديولوجية. كما أن الأزمة السياسية تتعلق بتنوع وجهات النظر حول نوع النظام السياسي الذي يجب أن يحكم البلاد، حيث يوجد صراع مستمر بين القوى السياسية المختلفة، سواء كانت إسلامية أو ليبرالية أو قومية. وفي الوقت ذاته، تظل التدخلات الخارجية، سواء من قبل الأمم المتحدة أو القوى الإقليمية والدولية، عاملاً مهماً في تعزيز هذه الأزمة

سياسيا :

تشهد ليبيا انقسامًا حادًا بين السلطات المتنافسة، حيث توجد حكومتان رئيسيتان، إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب، إلى جانب أطراف مسلحة غير حكومية تسعى للسيطرة على مناطق نفوذها. وقد أدى هذا الانقسام إلى غياب سلطة مركزية موحدة قادرة على فرض الأمن وتحقيق الاستقرار.

كما أن التدخلات الخارجية زادت من تعقيد الأزمة، حيث تدعم بعض الدول أطرافًا معينة وفقًا لمصالحها الجيوسياسية، مما عمّق الانقسامات الداخلية وأسهم في استمرار حالة عدم الاستقرار. وبدلًا من الدفع نحو حل سياسي، ساهمت هذه التدخلات في إطالة أمد النزاع وتأجيج الخلافات

لحل الأزمة الليبية، لا بد من اتباع نهج شامل يعالج الجوانب الاجتماعية والسياسية على حد سواء، ويشمل ذلك:

1 -تعزيز الحوار الوطني بين مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية للوصول إلى توافق مشترك يمهّد لحل دائم.

2- إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية تضمن مشاركة جميع المكونات الاجتماعية دون إقصاء.

2- نزع السلاح من التشكيلات المسلحة و توحيد بالمؤسسة العسكرية للالتحاق بالقيادة العامة للجيش الليبي التي سيطرت على شرق وواسط البلاد وجنوبها الذي كان مستباح بسبب الفراغ الأمني، في اهم مواقع الثروات الليبية والتي تؤمن قوت الليبيين ، بل انخراط في دعم مشاريع الاعمار والتنمية في شرق البلاد ووسط البلاد وجنوب البلاد ، وهذا مايؤكد دورها الداعم للأمن والاستقرار في البلاد .

3- إصلاح الاقتصاد وتحقيق العدالة الاجتماعية لتحسين مستوى معيشة المواطنين وتقليل التفاوت الاقتصادي الذي يغذي الصراعات.

4- تقليل التدخلات الخارجية ودعم الحلول الليبية-الليبية دون فرض أجندات خارجية تُفاقم الأوضاع.


الأزمة الليبية ليست مجرد نزاع سياسي، بل هي أزمة اجتماعية عميقة تتطلب حلولًا متكاملة. فلا يمكن تحقيق الاستقرار دون معالجة الانقسامات الداخلية وتعزيز الهوية الوطنية الليبية. إن الخروج من دوامة الفوضى يتطلب إرادة سياسية قوية ووعيًا مجتمعيًا بأهمية الوحدة والمصالحة الوطنية، مما يمهّد الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
فهل هناك ملامح تساهم بناء دولة ديمقراطية ، في ظل هذا الواقع ، وتغيب الشارع الليبي ، بسبب الاكراهات والتي وضعت أمامه..
وأن التعليق على التدخل الدولي واعتقادنا بأن هو من سيوفر الاستقرار ، في غياب الإرادة الليبية
اذا المشكلة تجاوزت التدخل الاجنبي ، بل المشكلة ليبيا ..ليييا بسبب واقعنا الاجتماعي والثقافي ، بما اتضح فشل مايسمي بالنخب والساسه ، وهم اهم العقبات في سبيل حل الأزمة الليبية !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى