هل آن الأوان لترتيب النفوذ السياسي والاقتصادي في المنطقة؟

وسيم فؤاد الأدهمي /موقع الأُمَّة /
ما يحدث في لبنان اليوم لا يمكن عزله عن سياق ما شهدته المنطقة منذ اندلاع الثورات العربية في أواخر عام 2010 عقب إحراق محمد بوعزيزي نفسه، مما أدى إلى الإطاحة بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي.
هذه الثورات التي رفعت شعارات الحرية والكرامة، وواجهت محاولات مضادة للقضاء عليها من الأنظمة السياسية والدول الكبرى التي رأت فيها تهديداً لمصالحها. بعد فترة قصيرة من “الربيع” العربي، بدأت الثورات تُجهض واحدة تلو الأخرى، عبر القمع الداخلي أو التدخلات الخارجية، ما أعاد الأنظمة السلطوية إلى الواجهة، ولكن بوجه أكثر شراسة وقمعاً. وكما قال الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت: “في السياسة، لا يحدث شيء بالصدفة. وإذا حدث، يمكنك الرهان على أنه تم التخطيط له.”
ان الأزمة الاقتصادية الحادة التي شهدها لبنان عام 2019، ووصفها البعض بـ”الاغتيال الاقتصادي”، كانت دون شك نتيجة تراكمات طويلة من الفساد وسوء الإدارة السياسية والاقتصادية. وتفاقمت الأوضاع مع انهيار النظام المصرفي وتراجع قيمة العملة اللبنانية، في ظل إدارة سياسية ضيقة الأفق بعيدة عن مصلحة الشعب. السياسات الاقتصادية الكارثية استندت إلى نظام مالي غير شفاف، حيث لعبت المصارف دوراً أساسياً في انهيار الاقتصاد مع تراكم الديون ونقص السيولة.
الدعم المالي الخارجي تراجع، خاصة من دول الخليج، نتيجة الصراع الإقليمي بين إيران والسعودية بشكل خاص، ما أدى إلى تعميق الأزمة. في هذا السياق، كانت السياسات الأمريكية، مثل العقوبات على حزب الله، تهدف إلى إضعافه سياسياً وعسكرياً، ما أدى إلى شلل اقتصادي متزايد وتفاقم معاناة الشعب. ويأتي العدوان الإسرائيلي الوحشي الأخير على لبنان، ومحاولة استهداف المقاومة وقادتها، ضمن السياق الذي بدأ منذ عام 2019 ولا يمكن عزله عن ما يجري في غزة، ضمن إطار سيناريو أمريكي وتأييد غربي ، بدا جلياً بعد اغتيال السيد حسن نصرالله ، و رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) يحيى السنوار، من خلال المواقف والبيانات الصادرة عن الدول الغربية. وقد وصف رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، السنوار بأنه “العقل المدبر وراء اليوم الأكثر دموية في التاريخ اليهودي منذ المحرقة” وقال إن المملكة المتحدة “لن تحزن على وفاته”. وأضاف: “اليوم أفكاري مع عائلات هؤلاء الضحايا”.
القوى الكبرى والإقليمية التي عملت على إجهاض الثورات العربية سعت أيضاً لإضعاف أي قوة تهدد نفوذها ( حزب الله، وحركة حماس)، والضغط الاقتصادي والسياسي تصاعد على لبنان وغزة ، حيث أصبح تدمير الاقتصاد والحصار وسيلة لكسرإرادة المقاومة. وهي تسعى للإجهاز على المقاومة بشكل كامل،عبر اغتيال القيادات بشكل مكثف، وتدمير بنيتها التحتية، على ايقاع الانتخابات الأمريكية المرتقبة.
اليوم، يبدو أن المنطقة تُحضر لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ السياسي والاقتصادي. الدول الكبرى تسعى لفرض واقع جديد يخدم مصالحها ويضمن بقاء أنظمة تابعة لها، مترافقة مع محاولات لإسكات كل صوت مقاوم أو معارض، سواءً في لبنان و غزة أو غيرهما. والتصعيد الحالي يشير إلى أن القوى الدولية والإقليمية لا تزال ترى في الحراك الشعبي والمقاومة تهديداً لمصالحها، ما يفسر استمرار القمع بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الأدوات الاقتصادية والسياسية.




