ماذا أصدّق من الأخبار في وقت الحرب؟!

/ إيلي عساكر / موقع الأُمَّة /
في خضمّ الأحداث الحربية المتسارعة التي نشهد عليها ونعيشها في لبنان والمنطقة والعالم، وفي ظلّ تضخّم أعداد الأخبار التي نتلقّاها من وسائل التواصل الاجتماعي، تكثُر التساؤلات: كيف نميّز المعلومات ما بين حقيقيّة وغير حقيقيّة؟ كيف ندقّق في مصادر هذا المعلومات؟ كيف نربط المعلومات لاستخلاص أبعادها وأهميّتها؟ وكيف نتصدّى للمعلومات الخطأ؟ والإشكالية الجامعة تكون: كيف نتعاطى مع المعلومات في وقت الحرب؟ إشكاليات طرحها الكاتب فيليب سيب وأجاب عليها في كتابه “المعلومات في الحرب: الصحافة، التضليل والحروب الحديثة” الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ترجمة يمان بن خضراء.
ما هي أنواع المعلومات الخاطئة؟
كتاب “المعلومات في الحرب” تأريخ حديث ومباشر لاستغلال الجهات الحكومية للإعلام لصنع معلومات وأخبار مزيّفة وقت الحروب، وتأثيرها في القرار السياسي والرأي العام ذلك في في سبعة فصول. في مقدّمة الكتاب ركّز سيب على تمييز اليونيسكو للمعلومات “غير الصحيحة” الصادر سنة 2020، فالمعلومات من حيث ضررها ثلاث أنواع “المعلومات المضلِّلة (disinformation) وهي معلومات خاطئة خلقت عن عمد لإلحاق الضرر بشخص أو مجموعة اجتماعية منظّمة أو دولة، وهي تختلف عن المعلومات الخاطئة (misinformation) التي لم تخلق بقصد التسبّب بضرر وقد تنشر على أساس الاعتقاد بأنّها صحيحة والفئة الأخيرة [والأخطر] هي المعلومات الضارة (mal-information) التي تستند إلى الواقع ولكنّها تستخدم لإلحاق الأذى”. واهتم كثيرًا بتظهير فكرة تحليل المعلومات وربطها والتمييز بينها وبين المعرفة، والوصول إلى الحكمة في اتخاذ القرارات استنادًا إلى هذه المعرفة.
المحطات الزمنية للتلاعب الإعلامي المعاصر
يقف الكتاب على كل محطّة زمنية لتطوّر الإعلام المعاصر ، من الراديو إلى التلفزيون والفضائيّات والإنترنت والذكاء الاصطناعي، ويخبر عن وقائع استُعمل فيها الإعلام لضخّ معلومات تساعد الحكومات أو الجماعات على تحقيق أهداف عسكرية. من الحرب العالمية الثانية ومّما أسماه “حروب غرف المعيشة” يبدأ سيب في تأريخه ويستند إلى تقارير إدوارد مورو الإذاعية المضخّمة بطلب من تشرتشل، التي أثرّت وسرّعت في قرار الولايات المتّحدة تقديم مساعدات نوعية للبريطانيين في مواجهة النازية.
وصولًا إلى هجوم تيت في العام 1968 في فيتنام ووجود المراسلين الميدانيين للتلفزيونات الأميركية ووكالات الأنباء ورسائلهم التي جاءت مخالفة للمعلومات التي قدّمها الرئيس ليندون جونسون للشعب الاميركي، وهذا قضى على مسيرة الرئيس جونسون السياسية وبعد تغطية هذا الهجوم ترسّخ دور التلفزيون في تحديد مسيرة السياسيين الأميركيين. نبّه هذا الحدث حكومات العالم بضرورة التحكّم بكمّ ونوع المعلومات التي يُسمح للإعلام الوصول إليها، ومنها حكومة بريطانيا برئاسة تاتشر التي تعلّمت كيفية التحكّم بالمعلومات التي تصل إلى الإعلام خلال حرب الفوكلاند مع الأرجنتين بهدف السيطرة وتوجيه مزاج الرأي العام.
وينتقل إلى عصر الفضائيّات، ويتّخذ صدّام حسين وعلاقته بقناة “السي أن أن” في خلال حرب الخليج الثانية مثالًا، حيث لم يسمح لأي وسيلة إعلامية بتغطية الحرب في الداخل العراقي سوى للقناة الأميركية، لتكون قناة الاتّصال بينه وبن العالم عامّة وبين الإدارة الأميركية خاصّة، وقد صار بعد هذه الحرب للإعلام الحربي دور أبعد من النقل، ليصبح وسيطًا فعّالًا بين المتحاربين. وشدّد على دور “قناة الجزيرة” الريادي في النقل الإعلامي الفضائي، ودخوله بقوّة على المشهد الاميركي والغربي وتأثيره في الرأي العام الغربي ونظرته إلى شعوب دول الخليج كمجموعة منفصلة عن بقية الدول العربية. وأشار في مكان آخر من الكتاب (نجد هذه المعلومات في النسخة الإنكليزية وليس العربية) على فشل قناة الجزيرة في صدّ هجمات الإمارات والسعودية ومصر الإعلامية، التي روّجت عبر وكالات إخبارية أميركية وألمانية، معلومات ضارة عن ضلوع قطر بتمويل حركة طالبنان وداعش والإخوان المسلمين، وخططها مع إيران لقلب الحكم في كلّ من هذه الدول.
وفي عصر الانترنت، ركّز الكاتب بشكل مضخّم نسبة إلى حجم الكتاب، على قدرة الجيش الروسي المتفوّقة في صناعة وترويج الأخبار الضارة على وسائل التواصل الاجتماعي، عبر مراكز متخصّصة ومتصيّدين محترفين ومأجورين استطاعوا التأثير في الانتخابات الرئاسيّة الأميركية 2016، وتصويت البريطانيين على قرار الخروج من أوروبا البريكست، وعلى نشر وقائع تاريخية تؤثّر على جيران روسيا مثل النرويج والسويد وفنلندا وليتوانيا بشكل سيّئ يشوّه التاريخ الحقيقي للعلاقات بين هذه الدول.
ويذكر الكتاب وبشدّة، قدرة الجماعات الإرهابية على استعمال الإنترنت لتضخيم أحجامها وهجوماتها العسكرية عبر فيديوهات محترفة ومتكرّرة كان لها أثر كبير في نشر الرعب والذعر عن المشاهدين، وقدرة هذه الجماعات على التواصل وإيصال المعلومات بشكل يصعب تعقّبها وإيقافها، واستجرار تعاطف وتمويل المتعصّبين الدينيّين المستمر في كل العالم.
وكان للكاتب سيب تحليل للحروب التي دائرة في غزة واستشراف تنبّؤي للحرب التي ستكون (نشر الكتاب الإنكليزي سنة 2022 أي قبل هجوم 7 أكتوبر) وأكّد بشكل قاطع أنّ حماس ستنتصر إعلاميًّا وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وستخسر إسرائيل [قصدًا] هذه الحرب الافتراضية لاستجلاب العطف الغربي والدعم المادي والسياسيّ؛ وستنتصر إسرائيل عسكريًّا وسيكون عدد القتلى والجرحى من العرب مرتفعًا وحجم الدمار مرعبًا.
وأخيرًا أشار إلى دور الذكاء الاصطناعي في تزييف المعلومات ونشرها ليس بوصفه أداة بل بوصفه شريكًا جديدًا للجيوش والحكومات ونبّه إلى التزييف العميق (Deep Fake) التي لن تستطيع الدول التي لا تمتلك هذه التقنية مجارات الدول التي تمتلكها، وحجم المعلومات المزيّفة والخاطئة بكلّ أشكالها التي ستنشر ستدمّر كل أشكال الاستقرار الاجتماعية والاقتصادية والمالية والمعرفية في هذه الدول.
وفي الكتاب فصلان أخيران مخصّصان لمساعدة القرّاء على الانتقال من التلاعب الإعلامي إلى التثقيف الإعلامي والاستناد إلى النموذج الفنلندي التعلمي للتصدّي لهذه المعلومات.
كيف نتصدّى للمعلومات الضارة؟
“تقول والدتك إنّها تحبّك. تحقّق من ذلك!” قول مأثور في عالم الإعلام والأخبار الأميركي. الخطوة الأولى للتصدّي للمعلومات الضارة هي التحقّق من مصدر المعلومة ومن عناصر المعلومة ومن الأفراد والجماعات الذي يروّجون لها. إذا استعصى على المواطن العادي إجراء تحقيقه الخاص وهناك شكّ في المعلومة، عليه ألّا يعيد نشرها، فيسهم في توقّف اتساع رقعة المعلومة في محيطه الافتراضي.
الخطوة الثانية هي “التثقيف الإعلامي” بداية من المدارس والجامعات، عبر خلق بنية شاملة لتدريب الطلّاب على كيفيّة تقييم المعلومات التي يتلقونها بشكل افضل. والحكومة الفنلندية كانت خير مثال على ذلك حيث عبر الرئيس نينيستو سنة 2015 عن ذكل بقوله: “إن خطّ الدفاع الاوّل هو المعلّمة والمعلّمة في رياض الاطفال”. وبعد ذلك اصبح التثقيف الإعلامي جزءًا أساسيًّا من المنهج الوطني الرسمي في الثانويّات.
الخطوة الثالثة هي دفاع وسائل الإعلام الإخبارية التقليدية. سرعة وُرود المعلومات وكمّها الهائل، لا يمكن اللحاق به، لكن يمكن ملاحقة الموجات الكبرى منها، وقياس مساحة انتشارها ومحاربة ضررها عبر تقديم المعلومات الصحيحة وتكرارها لتصبح راسخة في معلومات ومعارف الناس.
الخطوة الأخيرة وهي أكثر الخطوات حساسية الرقابة المسبقة على نشر المعلومات في وقت الحرب وفي ذلك حساسية كبيرة لما قد يصبح مسًّا في حق غبداء الرأي ومبادي الحرية والديمقراطية عامة. ولكن الضرورات تبيح المحظورات وتبيح حظر أخبار ومعلومات ضارة قد تصيب المواطنين بحالة هلع لا يمكن ضبطها.
وعلى سبيل المثال، في الحرب الدائرة بين حزب الله والإسرائيليّين، يتقصد إعلام العدو على الترويج للدخول البرّي منذ أكثر من أسبوع وبهذا ينشرون معلومات ضارة هدفها ترك مقاتلي حزب الله في حالة تأهّب دائمة وهذا ما سوف يؤدّي إلى إنهاكهم وقت الدخول البري الفعليّ.
“المعلومات في الحرب”، أكثر من كتاب وأقل من دليل، لا بدّ لكل صحافي ومراسل ومذيع ومهتمّ بالشأن الإعلامي أن يقرأه ويتعلّم من الوقائع التي يسردها، ويتنبّه لمراوغات الجيوش والحكومات في التلاعب والتحكّم بالأخبار مهما كان نوعها.




