فرنسا بعد الانتخابات : أزمة سياسية أم بداية جديدة؟

وسيم فؤاد الأدهمي – الأمة
في أعقاب الانتخابات التشريعية الأخيرة في فرنسا، تبدو البلاد على أعتاب مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي بعد الفوز المفاجئ للجبهة الشعبية الجديدة (NFP) اليسارية. هذا التحالف غير المتوقع أثار تساؤلات عديدة حول مستقبل القيادة في فرنسا، خصوصاً في ظل التحضيرات لانطلاق الألعاب الأولمبية في باريس بعد ثلاثة أسابيع تقريبا، حيث يسعى الرئيس إيمانويل ماكرون لاستغلال هذا الحدث الكبير للتخفيف من حدة الأزمة السياسية.
يعتقد المحللون أن تحالف اليسار يمكنه الوصول إلى الحكم بسهولة إذا حافظ على وحدته. ومع ذلك، فإن هذه الوحدة تتطلب مرونة من جان لوك ميلانشون، زعيم “فرنسا الأبية”، الذي يتعين عليه التوافق مع بقية الأحزاب في التحالف، خاصة أن حزبه حصل على المركز الأول داخل التحالف وقد يحاول فرض مرشحه. في حال تعذر التوافق، قد يضطر التحالف إلى اختيار شخصية من حزب “الخضر”، حيث إن “فرنسا الأبية” لن تقبل بممثل عن الحزب الاشتراكي.
من جهة أخرى، يرى مراقبون أن “الماكرونية السياسية” قد تكون انتهت. حتى وإن تمكن حزب ماكرون من إحياء نفسه نسبياً، وسيحاول الرئيس الحالي المناورة مجدداً من خلال محاولة تقسيم تحالف اليسار وتفكيكه. ومن المتوقع أن يقترح ماكرون تحالفاً يستبعد أقصى اليمين وحزب “فرنسا الأبية”، في محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي لصالحه.
فوز الجبهة الشعبية الجديدة أثار استياء جوردان بارديلا، زعيم حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، الذي وصف تحالف الجبهة الشعبية مع ماكرون بأنه “تحالف عار”. بارديلا اعتبر أن الاتفاقات الانتخابية بين اليسار وماكرون هي السبب في فوز الجبهة الشعبية، مما يعكس قلق القوى اليمينية من هذا التغير المفاجئ في السلطة.
من جانبه، طالب جان لوك ميلانشون، الرئيس ماكرون بالاعتراف بهزيمته في الانتخابات، داعياً رئيس الحكومة إلى الاستقالة. وأصر ميلانشون على أن الفرنسيين لن يقبلوا “أي خيانة لأصواتهم”، وأكد أن “الشعب قال لا لليمين المتطرف ولن يقبل بسياسة ماكرون”. كما استبعد ميلانشون تشكيل ائتلاف واسع من الأحزاب ذات التوجهات المختلفة، مشدداً على ضرورة أن يدعو ماكرون التحالف اليساري إلى الحكم من خلال اختيار رئيس وزراء من صفوفه.
هذه الانتخابات التي حملت مفاجأة كبيرة بتحول السيطرة من اليمين إلى اليسار بين ليلة وضحاها، أحبطت مساعي مارين لوبان، في قيادة اليمين المتطرف نحو السلطة. الزعيم اليساري جان لوك ميلانشون، الذي ينحدر من مدينة طنجة، تصدر تحالف اليسار في الانتخابات التشريعية المبكرة، مما بعث الطمأنينة في نفوس العديد من المهاجرين والمسلمين في فرنسا.
من جانب آخر، أثار فوز ميلانشون قلق بعض الجهات، خاصة اليهود في فرنسا وإسرائيل، حيث دعا أفيغدور ليبرمان، عضو الكنيست الإسرائيلي، اليهود الفرنسيين للهجرة إلى إسرائيل، معتبراً أن انتصار اليسار الراديكالي يمثل تصعيداً لمعاداة إسرائيل والسامية.
أما الرئيس ماكرون، فيواجه خيارات معقدة لتشكيل الحكومة، منها التعايش مع حكومة يسارية، أو محاولة تشكيل تحالف حكومي رغم الصعوبات الأيديولوجية، أو تقديم استقالته وإعلان انتخابات رئاسية جديدة. وقد يسعى ماكرون إلى تشكيل حكومة تكنوقراط مؤقتة لتسيير الأمور وتجنب الصراعات السياسية الحادة، إلا أن هذا الخيار قد يوفر استقراراً مؤقتاً فقط دون أن يكون حلاً طويل الأمد للأزمة السياسية.
في النهاية، يبدو أن فرنسا مقبلة على فترة من عدم الاستقرار السياسي، مما يتطلب جهوداً كبيرة لتحقيق توازن سياسي. والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة لتحديد مسار السياسة الفرنسية ومستقبل البلاد على المستويين الداخلي والدولي.


