لبنان يقف حيران … بين إسرائيل وإيران …

/ الدكتور باسم عساف / موقع الأُمَّة /
أكثر من /٣٦٥ يوماً ، أي سنةً كاملةً مضت على بدء حرب غزة في /٧ أكتوبر ، مع عملية طوفان الأقصى ، وأيضاً فتح جبهة الجنوب اللبناني ، في /٨ أكتوبر تحت شعار وحدة الساحات ، لمساندة المقاومة في غزٌَة ، ومواجهتها للهجوم الكبير المُضاد ، والمُستمر بكافَّة أثقاله على أبناء القطاع ، وبكلِّ أنواع الأسلحة التّدميريّة الشّاملة والقاتِلة بكُلِّ معاني الإجرام ، الذي لم يوفِّر الأطفال الخُدَّج ، والنِّساء الحوامِل ، ولا النَّازحين المَدنيين تحت الخيام ، أو في المآوي والمدارس ، التي ترعاها المنظّمات الدّولية والأنروا ، والقمع والتجويع والحصار بمنع أدنى مقومات الحياة ، وأهمُّها الماء والدواء والكهرباء ، وخاصَّة للمرضى بما تبقى من مستشفيات ، أو من المراكز الطبِّية المعنيٌَّة بالأطفال ، أو غسِيل الكِلى ، أو العمليات الطبِّية ، وهي لم تحدث في كل الحروب بالتاريخ ، حيث لم يُماثِل أبناء صهيون ، بهكذا أساليبَ شيطانيَّة …
بعد مرور سنة على حرب غزٌة ، حيث دُمِّرَت عن بِكرَة أبيها ، ولم يبقَ فيها حجرْ على حَجَر ، بالإضافة إلى أكثرَ من مليوني/٢٠٠٠٠٠٠ /مشَرٌَد ومائة ألف جريح ، وأربعين ألف قتيل ، وعشرة آلاف مفقود ، والحبل على الجَرًار ، إذ تستمرُّ المعارِك ، وإبادَة شعبِ غزَّة دون هوادة ٍ ومن أيِّ قيمةٍ إنسانيَة ، أو أي تطبيقٍ للقوانين الدَّولية ولقرارات المنظمات الوهميَّة ، كُلً ذلك ، من دون أيِّ تأثيرٍ ولو باليسير منها لساحات المّسانِدة ، وللقوى التي أعلنت مناصرة أهل غزٌة ، وردع المعتدي عليهم ، بعملياتٍ تجعل من العدو الصهيوني ، يقف عند حدِّه ، أو يتوقّف عن القصف والتدمير والتهجير ، حيث بات العكس من ذلك ، بأن فُتِحت الجبهات على المساندين ، وباتوا في حيرةٍ من أمرِهم ، بالدٌِفاع عن أراضيهم وقواعدهم ورجال مقاومتهم ، حتى باتت مقاومة غزَّة ، تعلن عن مساندتها وتطوعها ، للدفاع عن بقية الساحات المفتوحة ، دونما خُطٌةٍ حربيّةٍ مُوحَّدةٍ ، ودون قرار.ٍ بخوض حربٍ مُتساوِيةٍ مع العدو الصهيوني ، الذي يصُول ويجُول في الأجواء كلها ، دون رادعٍ أو دون حسيبٍ أو رقيب ….*
من هنا ، ومن هذا الواقع الأليم ، الذي تعيشُه غزَّة ، بعدما وصلت إلى هذه النتائج المخزية عالمياُ : بوقوف معظم الدُّول الكُبرى والصُّغرى ، إلا اللّمم منها ، مؤيِّدةً للإبادة وقتل وتدمير أهل فلسطين بالإجماع ، وما توصَّلت إليه عربياً وإسلامياُ : بالوقوف على الحِياد ، وكأنّ غزّة وأهلها ، قد جاؤوا من المريخ ، أو من كواكِب لم يُسمَع بها حتى الآن ، لئلا تجلِب لهم أيِّ علاقةٍ أخويّةٍ ودينيةٍ وإنسانيّةٍ ، جبراً أم واجباً ، أم تطوعاً لنُصرة المظلوم ، وقطع يد الظالم …
كما ورد ذلك في دساتِيرهم بمحاربة الإرهاب ، ولم يكتشِفوا بعد ، أن أميركا وإسرائيل ، هي من أهمِّ الدُّول المُصدِّرة للإرهاب في العالم ، وهذه ساحاتُ غزّة وفلسطين ككل ، ولبنان والعراق وسوريا واليمن وغيرها ، تدٌلُّ عليها ، وأنَّ آثارها ماثِلةٌ للرأي العام العالمي ، الذي إنتفض مؤخَّراً ، وعبَّر عن سخطِه وغضبِه من النِّفاق ، الذي إنطلى عليهم مئآت السنين …
إن إشتعال الجبهَة الشِّمالية مع لبنان ، تأتي مع تعثُّرِ المُفاوضات ، والإنتهاء من حربِ غزَّة ، بوجود تعنُّت نتِن ياهو ، للوصُول إلى الإتِّفاق النهائي ، الذي أعلَنه بايدن في آب الماضي ، ووافَقت عليه حماس ، وكادَت الأمور تصل إلى غايتها ، لولا التنصُّل الذي تهرَّب به النتِن ، ليُضيف شروطاً جديدةً رغم هزائِمه ، وعدم تحقيق أيٍّ من أهدافه ، التي شنَّ الحربَ على أساسها ، ولينتقل إلى أهدافٍ جديدةٍ ، على الجبهة الشِّمالية مع لبنان ، وقد باشَر بشنِّ حربٍ جديدةٍ على أساسِها ، وإستخدم ما تتفوق به القوات الصهيونية من الجو والقصف من البوارج بعيداً عن المواجهة البرّية ، التي إنهزم بها العدو الصهيوني شرّ هزيمة ، بملاقاة أبطال المقاومة ، الذين ألحقوا بهم الخسائر الفادحة ، بالعديد من الضباط والعتاد من الدبابات والأسلحة ، فكان النصر الذي أعادَ المعنويَّات للمقاومة ، بعدما إنتكست في الضربات المتتالية للقضاء على الجَناح العسكريِّ لحزب الله ، والبَدء فيها من قيادة الرضوان ، وإنتهت بإغتيال الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله ، ولازالت قيادة الكيان الصهيوني التي تقود المعارك مع جيشها على أرض الجنوب الصامد ، حيث هُزِم من أوَّل معركةٍ في التوغُّل بالأراضي الُّلبنانيَّة ، وإنتكست حكومة نتن ياهو بالعمليات البرِّية ، بعدما إمتشَقت النشوَة بالإغتِيالات الجَويَّة …
إن الإنتصارات الجوية للعدو ، جاءت من خلال الحرب الإستِخباراتية والسِّيبرانية والإلكترونية ، التي يتفوَّق بها جيش العدو على الحزب ، ويمتلِك كافَّة مضامِينها وحيثِياتها ، من الداخِل قبل الخارج ، وهو ما تمَّ له ذلك ، والتأكيد على إستمراره بها ، للوصول إلى غايته بالإنتصار ، لتحسِين وضعِه وشروطه بالمفاوضات على غزَّة ، وأيضاً على إعادة المستوطنين إلى شمال فلسطين ، والتخلُّصَ من الأعباء المُتزايِدة على حكومة النتن ياهو ، داخلياً وخارجياً ، ولأجل إستمرارِه في الحُكُم وخوفاً من تطبيق الحُكمِ عليه …
المستغرب بعد فتح جبهة لبنان ، على هذا الشكل المريب ، وتخَطي كلَّ قواعد الإشتباك والُّلعبة المقيَّدة بالأوامر الإيرانية ، بعدم توسِيع العمليَّات والحرب بالمِنطقة ، والتي إلتَزم بها الحزب ونفذها بكل إنضباط ، ولكِنَّ قادة الكيان ، لم يكن لهم بها أي إرتباط تنفيذي…
وأيضاً قد إلتزمت إيران مع أميركا ، على الأمن الممسوك في ساحات المساندة ، وعدم توسيع نطاق الحرب بالمنطقة بالرغم من إطلاق صواريخها على أرض الكيان ، رداً بالثأر الجماعي لأكثر من قائدٍ في الميدان ، ودونما إحتساب النتائج ، التي لا ترتقي لمقام أيٍّ منهم ، بينما أمريكا لم تلتزم في لجمِ إسرائيل عنها ، وعن ردعها ، بإستمرار حرب الإبادة والتدمير الشامل …
كل ذلك يجري في ظلِّ تصريحات الرئيس الإيراني بمهادنة أميركا ، والتَّعاونُ معها بأكثر من الإتفاق النووي وغيره ، غيرَ آبِهٍ بما يَجري للقوى المُسانِدة ، التي إلتَزمت معه بقواعِد الإشتِباك ، والذي خرَج من الشُّباك ، ليتَملٌَكه جِهاز الشَاباك …
كأنَّ المَشهدُ يُعيد نفسه الآن ، كما كان مع منظمة التحرير الفلسطينية ، وعروض التوافُقِ على قيام السُّلطة في أرض فلسطين ، والتَّمتع بإدارةٍ مَدنٍيةٍ في غزَّة والضَّفة الغربيّة ، بشروطِ إلغاءِ الجَناح العسكري للمنظمة ، والقضاء على المقاومة وقد نفٌَذته إسرائيل بتصفية القادة العسكريين وعلى رأسهم خليل الوزير (أبو جهاد) ، الذي إغتالته في تونس ، وكذلك عملت السلطة على إنهاء الإنتِفاضة ، التي عُرِفت بأطفال الحجارة ، التي جاءت مع إقامة معاهَدة أوسلو للسلام ، وكانَ ماكانَ لإسرائيل ، وما خطَّطت له ، من إرادةِ التَّطبيع مع منظمة التحرير الفلسطينية ، والإنتهاء من المقاومة المسلّحة ، لولا إرادة الشّعب الفلسطيني بتبنِّي تحرِير أرضه ، وصلابَة موقفه بإزالة الإحتلال ، ورفع الظُّلم المُتمَادي من الكيان الصهيوني ، المتمثل بإغتِصاب الأرض والعرض …
التَّاريخ يُعيد نفسَه مع المقاوَمة في لبنان ، للقضاء على الجناح العسكري لها ، والتفاوُض مع رأس الحربة ، التي تمدُّ يَدها لدعم ساحات المُساندة ، والتي تَمدُّ اليد الأخرى لأميركا ، من أجل التوصل إلى سلَّةٍ مُتكامِلةٍ من البنود والشروط ، بدءاً من السَّاحة اللُّبنانية عامةً ، والجنُوب منها خاصةً ، من دُون علمِ الدَّولة الُّلبنانية ، أو على الأقل من دون مشاركتها ، وهنا تكمُن المُصيبَة ، وإن لم تكُن تدري ، فالمُصيبة أعظم ، ولا غرابَة إن نحن علمنا ، أنَّ المنظومَة السِّياسيّة بغالبيتِها ، كانت ولا تزال أحجاراً على رُقعة الشَّطرنج ، تُحرِّكُها أيادي الَّلاعبين كيفَما تشاء ، بتطبيق القرار/ ١٧٠١ مجدداً ، أو في إنتخاب رئيسٍ للجمهورية (كيفَما كان) ولو من دون شرط الحوار ، الذي أخَّر الإستحقاق أكثر من سنتين ، تنفيذاً للمآرب الخارجية ،أو حسب قواعد الُّلعبة الداخلية ، ليبقى معهم لبنانُ حيرَان ، بينَ إسرائِيل وإيرَان …




