مقالات

التطبيع مع إسرائيل: تحولات جيوسياسيةوتحديات الهوية في بلاد الشام والخليج

/بقلم محمد حديد/موقع الأمة/

شهدت السنوات الأخيرة تحولات متسارعة في منطقة الشرق الأوسط، كان أبرزها بروز ملف “التطبيع” مع إسرائيل كقضية محورية تثير انقسامًا عميقًا في أوساط الرأي العام والنخب السياسية في بلاد الشام والخليج. فبعد عقود من القطيعة والعداء الرسمي، بدأت بعض الدول العربية في كسر هذا الحاجز، مُعلنةً عن اتفاقيات سلام وعلاقات دبلوماسية واقتصادية مع إسرائيل، في خطوة تاريخية تحمل في طياتها آمالًا بتغيير وجه المنطقة، ومخاوف من تداعياتها على القضية الفلسطينية والهوية العربية.
في منطقة الخليج، كانت الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب من أوائل الدول التي خطت خطوات عملية نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر “اتفاقيات أبراهام” التي رعتها الولايات المتحدة. وقد بررت هذه الدول قرارها بضرورة الانفتاح على فرص التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وبأهمية بناء تحالفات إقليمية جديدة لمواجهة التحديات المشتركة، وعلى رأسها التهديد الإيراني. كما أشارت إلى أن هذه الخطوة لا تعني التخلي عن دعم القضية الفلسطينية، بل تسعى إلى إيجاد مسارات جديدة لتحقيق السلام العادل والشامل

أما في بلاد الشام، فالوضع أكثر تعقيدًا وحساسية. ففي حين حافظت دول مثل سوريا ولبنان على موقفها الرافض للتطبيع، انطلاقًا من إرث الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، تبدو الأردن ومصر في موقع مختلف، حيث تربطهما بإسرائيل معاهدات سلام قائمة منذ عقود، وإن كانت العلاقات لا تزال تتسم بالفتور الشعبي والحذر الرسمي. يضاف إلى ذلك التحديات الداخلية التي تواجه هذه الدول، والانقسامات الحادة حول جدوى التطبيع وتأثيره على مستقبل المنطقة.
يثير ملف التطبيع أسئلة جوهرية تتعلق بالهوية والقيم والمصالح. فبينما يرى البعض فيه فرصة لإنهاء الصراعات وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، يعتبره آخرون خيانة للقضية الفلسطينية وتخليًا عن مبادئ التضامن العربي. كما تتصاعد المخاوف من أن يؤدي التطبيع إلى تعميق الانقسامات الإقليمية، وإلى تهميش حقوق الفلسطينيين وتطلعاتهم المشروعة في إقامة دولتهم المستقلة.
على الصعيد الاقتصادي، يرى المؤيدون أن التطبيع سيفتح آفاقًا واسعة للتعاون في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة والتكنولوجيا، مما يعود بالنفع على شعوب المنطقة. بينما يحذر المعارضون من أن هذه الفوائد قد تكون محدودة وغير متوازنة، وأنها قد تؤدي إلى تبعية اقتصادية لإسرائيل.
أما على الصعيد الأمني، فيرى البعض أن التطبيع يمكن أن يساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال بناء شراكات لمواجهة التهديدات المشتركة. في المقابل، يخشى آخرون من أن يؤدي إلى سباق تسلح جديد وزيادة التوترات في المنطقة.
يبقى القول أن مسألة التطبيع مع إسرائيل في بلاد الشام والخليج تمثل نقطة تحول تاريخية تتطلب نقاشًا معمقًا ومسؤولًا يأخذ في الاعتبار كافة الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فمستقبل المنطقة يتوقف إلى حد كبير على كيفية التعامل مع هذه القضية الحساسة، وبما يخدم مصالح شعوبها ويحقق السلام العادل والدائم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى