مقالات

حراك رئاسي.. ولكن الرئيس مؤجل

طارق ترشيشي/موقع الأمة/

من حين إلى آخر يخرج احد سفراء المجموعة الخماسية العربية ـ الدولية المهتمة بلبنان ليؤكد استمرارها  في مهمتها لتمكين اللبنانيين من انجاز الاستحقاق الرئاسي وانها ستتحرك مجددا في هذا الاتجاه ليتبين لاحقا أن الأمر لا يعدو كونه تذكيرا بأن هذه اللجنة ما تزال على رأس مهمتها حية ترزق  خلافا لما يشاع من انها ماتت او اندثرت.

 فما إن أعلن عن زيارة السفير السعودي وليد البخاري لرئيس مجلس النواب نبيه بري والتي غادر بعدها الى الرياض، وفيما اعلن عن زيارة للموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان للسعودية، حتى بدا الحديث عن تحريك وشيك لملف الاستحقاق الرئاسي خصوصا بعدما لمح الى هذا السفير المصري علاء موسى اثر زيارته لمفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان.

وقبيل وصول لودريان الى الرياض راح البعض يتحدث عن انه يحمل افكارا  فرنسية لتحريك الاستحقاق الرئاسي اللبناني سيبحث فيها مع الجانب السعودي. قبل ان يتبين  أن الرجل يزور السعودية من حين إلى آخر بحكم وظيفته هناك التي كلفه إياها الرئيس إيمانويل ماكرون في 27 تموز2023 وهي رئاسة الوكالة الفرنسية للتنمية في مدينة العلا شمال المملكة وذلك لمتابعة المشاريع التي تنفذها الوكالة هناك منذ اكثر من سبع سنوات والتي كان منها ترميم محطة سكة حديد الحجاز المنشأة أيام السلطنة العثمانية ولورنس العرب، وهذه الوكالة الفرنسية مسؤولة عن التعاون مع السلطات السعودية لتطوير السياحة والثقافة في منطقة العلا الشاسعة، وكان يتولى رئاستها إنجي جيرار ميستراييه حتى أول تموز 2023 قبل تعيين لودريان مكانه.

ولذلك ينبري البعض في لبنان إلى الحديث هذه الأيام عن لقاءات سعودية ـ فرنسية خلال زيارة لوديان الذي يلتقي خلال كل زيارة المسؤول عن الملف اللبناني في الديوان الملكي السعودي الدكتور نزار العلولا، لكن هذه لقاءات لا تترك انطباعات عن ان هناك تحركا فعالا للجنة الخماسية في اتجاه الاستحقاق الرئاسي، لأن اللجنة كانت أنجزت مهمتها اللبنانية وتركت الاستحقاق للقوى السياسية المعنية في ختام لقاءات عقدها سفراؤها معها وتوجت بزيارة لودريان الاخيرة للبنان الذي انهى لقاءاته يوما باجتماع  مع السفراء الخمسة الذين كانوا انتهوا الى نتيجة هي أن على اللبنانيين أن يتفقوا في ما بينهم  على انتخاب رئيس من دون انتظار للآخرين لتولى هذه المهمة عنهم.

 ومعروف تاريخيا وتقليديا أن لعبة انتخاب رئيس لبنان غالبا ما ترتكز على توافق داخلي عليه يزكيه الخارج لا العكس، في حين أن البعض يسعى في الاستحقاق الحالي الى قلب الآية بحيث يختار الخارج الرئيس والداخل يزكيه، الأمر الذي كان ولا يزال يؤخر إنجاز هذه العملية الدستورية منذ مطلع ايلول 2022 وحتى اليوم. والواقع أن المتداول في الأوساط السياسية المعنية منها بالاستحقاق الرئاسي وغيرالمعنى، هو انه ليست هناك أي أوهام في أن إنتخاب الرئيس سيتأخر إلى ما بعد الانتخابات الأميركية المقررة في 5 تشرين الثاني المقبل لأن كل المحاولات التي جرت لفصل هذا الاستحقاق عما يجري في غزة وعلى جبهة لبنان الجنوبية باءت بالفشل على رغم من اقتناع الجميع بأن الربط بين الأمرين غير مبرر بل غير واقعي. ليتبين ان هذا الربط مرده الى رهانات قوى سياسية على تطورات في الخارج قد تخدم مصالحه، فأحد  الافرقاء  يراهن على عودة دونالد ترامب الى البيت الأبيض معتقدا ان ذلك يصب في مصلحته وبالتالي لا داغي لخوض معركة انتخابية قد لا يفوز مرشحه فيها وقد تؤدي الى فوز مرشح الفريق الآخر.وفي المقابل هناك فريق آخر يراهن على فوز المرشحة الديموقراطية كامالا هاريس ليصب في مصلحة مرشحه. 

لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع ولا يقرون بها علناً هي أنه أي كان الفائز في الرئاسة الاميركية لن يقدم أو يؤخر في انتخاب الرئيس اللبناني بل أن كل خلاف داخلي يدور حول الاستحقاق الرئاسي يتناسل وما من طرف خارجي تدخل يوما وسيطا لحله لأن الخارج يعتبر الأمر شأنا داخليا على اللبنانيين ان يعالجوه بأنفسهم بعيدا من اي تدخلات خارجية، وإن كان للخارج  من تدخلات فغالبا ما تتصل بسياسة لبنان الخارجية فتتدخل لتؤثر عليها خدمة لمصالحها الاقليمية في الغالب. ففي الموضوع الرئاسي لم تنجح أي إرادة خارجية في فرض انتخاب أي مرشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية، فهذا الاستحقاق يرتكز على توافق داخلي على مرشح معين يزكيه الخارج. ولذلك دائما يقال في مواسم انتخاب رؤساء الجمهورية اللبنانية أن “الداخل يختارالرئيس والخارج يزكي الاختيار” وليس العكس.

 ولذلك وحول ما يحكي عن اللقاء المرتقب بعد أيام بين لودريان والعلولا في حضور البخاري، فإنه يتوقع ان تتخلله مراجعة لما آلت إليه مهمة اللجنة الخماسية خصوصا وأن لودريان كان اختتم زيارته الأخيرة للبنان قبل أكثر من شهرين بعقد لقاء ثان مع رئيس مجلس النواب حيث ابلغ اليه تأييد الخماسية لاقتراحه  طاولة  الحوار  او التشاور بين مختلف الكتل النيابية للبحث في الاستحقاق  الرئاسي علما أن أكبر دليل على أن هذا الاستحقاق ما زال عالقا في عنق الزجاجة هو المواقف السلبية التي إعلنها رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع  قبل أيام  ردا على دعوة بري الجديدة الى الحوار، عندما قال أن انتخاب رئيس الجمهورية لا يمر في حارة حريك (أي حزب الله) ولا في عين التنية ( أي رئيس مجلس النواب تبيه بري). ما يعني أن الفريق الآخر ما زال يتصرف ازاء هذا الملف بمنطق أن حزب الله وبري يعطلان انتخاب الرئيس.

 وفي حين ان ما طرحه بري من مبادرة جديدة في امناسبة الذكرى الـ46 لتغييب الامام موسى الصدر حول الإستحقاق الرئاسي كان باسم الثنائي الشيعي  وهو “أن هذا الاستحقاق هو إستحقاق دستوري داخلي لا علاقة له بالوقائع المتصلة بالعدوان الإسرائيلي سواء في غزة أو في الجنوب اللبناني”، مذكرا بأنه  كان أول من دعا الأطراف السياسية والبرلمانية لـ “المبادرة الى إنجاز الإستحقاق الرئاسي بأقصى سرعة ممكنة تحت سقف الدستور وبالتشاور بين الجميع من دون إملاء أو وضع فيتو على أحد”. وكرر بري طرح مبادرته التي كان طرحها العام الماضي وفي المناسبة نفسها وهو “الحوار أو التشاور لأيام معدودة يليها دورات انتخابية متتالية بنصاب دستوري دون إفقاده من أي طرف كان(…)وصولاً الى انتخاب رئيس وطني جامع يستحقه لبنان واللبنانيون في هذه اللحظة الحرجة من تاريخه”.

وعلى رغم موقف بري هذا الذي جاء بعد ساعات قليلة من استقباله السفير السعودي فأن الواقع يدل إلى مسألة أساسية وحيوية هي أن التوافق على انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية لم يحصل بعد جريا على العادة التي تسير عليها البلاد منذ التوصل إلى وثيقة الوقاق الوطني المعروفة بـ”اتفاق الطائف”، حيث أن انتخاب الرئيس يتم بالتوافق بين كل الكتل النيابية والمكونات السياسية، ولم يشهد اي انتخاب تنافسا بين مرشحين اثنين او اكثر الا في انتخاب اول رئيس اثر انتهاء مؤتمر الطائف فقط، وقد انعقدت جلسة الانتخاب  في مطار القليعات (عكار) حيث تنافس خلالها الرئيس الراحل رينيه معوض ورئيس حزب الكتائب الراحل جورج سعادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى