مقالات

إنسانية تجمعنا، وعقول تميزنا

/ريما فارس/موقع الأمة/

عبر التاريخ، لم يتوقّف الفكر الفلسفي عن طرح السؤال الجوهري: ما الإنسان؟ وكان هذا السؤال أكثر من تعريف بيولوجي أو توصيف نفسي، بل كان محاولة لفهم طبيعة الكائن الذي يُحسّ بالألم، ويتأمّل في الموت، ويطلب العدالة، رغم علمه بندرة تحققها. لم يكن الإنسان، في نظر الفلاسفة، مجرد كائن عاقل، بل كائن أخلاقي، حاملٌ لإمكانية الخير، ومفتوحٌ على معاني تتجاوز وجوده المادي.

من أفلاطون، الذي جعل العدالة انسجامًا داخليًا بين قوى النفس، إلى أرسطو الذي رأى في الإنسان “حيوانًا ناطقًا واجتماعيًا”، مرورًا بديكارت الذي جعل من التفكير دليلًا على الكينونة، ثم كانط الذي ربط الكرامة الإنسانية بقدرة الإنسان على أن يُعامِل ذاته كغاية لا وسيلة… كلهم، على اختلاف مشاربهم، توقّفوا أمام هذه الفطرة، التي لا تفسّرها المادة وحدها، ولا تحتويها اللغة، بل تنكشف بوصفها حضورًا أخلاقيًا أصيلًا.

حتى حين جاء نيتشه ليعلن موت الإله، لم يستطع أن يتجاهل الأثر العميق الذي يتركه الإنسان حين يخلق المعنى. وحين تحدّث سارتر عن “الوجود يسبق الجوهر”، لم يكن يطعن في الإنسانية، بل يعيد تشكيلها على ضوء الحرية والاختيار.

ثمّة خيط غير مرئي ربط هؤلاء جميعًا، رغم اختلاف مشاربهم: الإنسان ليس كائنًا مكتفيًا، بل هو مشروع أخلاقي دائم، محكوم بالتوتر بين ما هو عليه وما يجب أن يكون.

في هذا السياق، نستطيع أن نستدعي أقوال الفلاسفة لا بوصفها حُججًا منتهية، بل بوصفها مفاتيح، تفتح لنا أبواب التأمل فيما تعنيه “الإنسانية” وسط كل هذا الضجيج، وسط صراع العقول، وتباين العقائد، وانهيار القيم أحيانًا.

لكن ما يثير التأمل هو أن هذا التباين العقلي لا يُفضي – كما قد يُظن – إلى تشظي الإنسانية، بل يكشف عن أمر مغاير تمامًا: أن الإنسانية ليست محكومة بعقل، بل هي سابقة على كل عقل.

الإنسانية، بهذا المعنى، ليست وجهة نظر، ولا سلوكًا مكتسبًا، ولا ترفًا أخلاقيًا نتبناه حين تتهيأ الظروف. هي البذرة الكامنة في الكينونة، المغروسة في عمق الوجود البشري، تلك الفطرة التي أشار إليها الوحي الإلهي، حين قال: “فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله”.

من هنا، يتجلّى التناقض الظاهري: نحن مختلفون عقليًا، متنافرون في المدارس الفكرية، متغايرون في ألوان الجلد وطبقات الانتماء، لكننا – في العمق – مشدودون إلى نواة واحدة، خيط غير مرئي يربطنا بعضنا ببعض، مهما بعدت المسافات وتعددت اللغات. هذه النواة هي الإنسانية.

ليست الإنسانية اتفاقًا على القيم، بل هي ما يجعلنا نختلف ونرحم بعضنا في آن. هي القوة التي تجعلنا نُشفق على الضعيف، ونقف عند جُرح الغريب كما لو كان وجعًا فينا، دون حاجة إلى مبررات عقلية أو دينية. إنها الحضور الصامت للخير فينا، الذي يسبق الخطاب، ويعلو على الحسابات.

فليكن العقل مرآةً نُراجع بها أنفسنا، لا سيفًا نُقصي به الآخر. وليكن الاختلاف مدخلًا إلى فهم أعمق، لا إلى قطيعة روحية. لأن ما يجمعنا في النهاية، ليس تشابه عقولنا، بل توحُّدنا في جوهرٍ أسمى: أننا بشر، نحمل فينا القدرة على الرحمة، رغم هشاشتنا،
لذلك حين نقول “الإنسانية نادرة”، فنحن لا نصف الواقع، بل نصف الغياب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى