صراع الظلال يتجسد: حرب إسرائيل وإيران المفتوحة تصل إلى العواصم وتُطيح بالمفاوضات

/محمد حديد/موقع الأمة/
لطالما كان الشرق الأوسط مسرحًا لصراعات متشابكة، لكن أحد أكثرها تعقيدًا وإثارة للقلق هو الصراع المحتدم بين إسرائيل وإيران. ما بدأ كحرب بالوكالة تدور رحاها في أراضي الآخرين، تحول الآن إلى مواجهة مباشرة وخطيرة، حيث لم تعد الضربات تقتصر على الظلال، بل باتت الصواريخ تتساقط على العواصم، مهددة بإشعال المنطقة بأسرها.
لقد شهدنا في الأشهر الأخيرة تصعيدًا لافتًا وغير مسبوق. فبعد سنوات من الضربات الجوية المتكررة التي تُنسب لإسرائيل، والتي استهدفت مواقع إيرانية أو موالية لها في سوريا والمنطقة، وتصاعد الهجمات السيبرانية واستهداف السفن، جاء الرد الإيراني الأخير ليقلب الطاولة. هذه الضربات الإسرائيلية المتزايدة، وخصوصًا تلك التي استهدفت شخصيات ومواقع حساسة، هي التي دفعت بالمواجهة إلى عخاذ منحى أكثر خطورة وعلانية.
شهدنا إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة من الأراضي الإيرانية باتجاه إسرائيل، ولم يمض وقت طويل حتى جاء الرد الإسرائيلي الذي طال أهدافًا داخل العمق الإيراني. هذه التطورات قلبت مفهوم “حرب الظلال” رأسًا على عقب، وأدخلت الصراع مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة التي لم يكن أحد يتوقعها بهذا الحجم والوضوح. كل طرف يرسل رسائله للآخر، مؤكدًا قدرته على الرد وإلحاق الضرر، وقد أصبح تجاوز الخطوط الحمراء واقعًا ملموسًا، مما يهدد بتفجر حرب شاملة.
إيران، التي بنت شبكة واسعة من الوكلاء في المنطقة، من حزب الله في لبنان إلى فصائل مسلحة في العراق وسوريا واليمن، ترى في إسرائيل “العدو الصهيوني” الذي يجب مقاومته. تسعى طهران إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، وتعتبر برنامجها النووي الصاعد ورقة ضغط أساسية في مواجهة ما تعتبره تهديدات وجودية، وقد أظهرت مؤخرًا استعدادًا للمواجهة العلنية كرد على الاستفزازات.
على الجانب الآخر، ترى إسرائيل في إيران، وخصوصًا برنامجها النووي الطموح، تهديدًا وجوديًا لا يمكن التهاون معه. تعتبر القدس أن أي قدرة نووية إيرانية هي خط أحمر، وتصعد من عملياتها لمنع طهران من تحقيق ذلك، بالإضافة إلى سعيها لتقويض النفوذ الإيراني المتزايد على حدودها، وهي الآن ترد على الهجمات المباشرة بشكل مباشر أيضًا..
إن ما يميز هذا الصراع الآن هو تجاوزه للطابع “الرمادي” السابق، وتداعياته الوخيمة على أي جهود دبلوماسية. لم تعد المعارك تدور في الظل فحسب؛ بل أصبحت تتضمن إطلاق صواريخ وتهديدات علنية متبادلة تستهدف قلب الدولتين. اغتيالات، عمليات تخريب، هجمات سيبرانية، وحروب استخباراتية معقدة تترافق الآن مع هجمات عسكرية مباشرة يمكن رؤيتها وسماعها.
لقد أدى هذا التصعيد الأخير، الذي بدأ بالضربات الإسرائيلية وتبعه الرد الإيراني، إلى نسف أي فرصة قريبة للمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. كانت هناك آمال خافتة لإحياء الاتفاق النووي أو التوصل لتفاهمات جديدة، لكن هذه الجولة من العنف المباشر قضت على هذه الآمال، ودفعت الأطراف المعنية إلى التصلب في مواقفها. كل طرف يحاول جس النبض وقياس رد فعل الآخر، في لعبة شد وجذب دقيقة ومحفوفة بالمخاطر، لكن هذه المخاطر تصاعدت بشكل كبير مع دخول العواصم دائرة الاستهداف وإغلاق أبواب الدبلوماسية.
المجتمع الدولي يقف متفرجًا، محاولًا احتواء التصعيد دون نجاح يذكر في كثير من الأحيان. فالمصالح المتضاربة للقوى الكبرى تعقد المشهد أكثر، وتجعل من الصعب التوصل إلى حل دبلوماسي شامل يرضي جميع الأطراف، خاصة بعد أن باتت الأجواء مشحونة للغاية.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: إلى متى يمكن أن يستمر هذا “الصراع المفتوح” قبل أن يخرج عن السيطرة بشكل كامل؟ مع كل صاروخ يُطلق، وكل رد فعل، تتزايد احتمالية أن يؤدي خطأ في التقدير أو تصعيد غير مقصود إلى انفجار إقليمي تكون تداعياته كارثية على الجميع. يبقى الشرق الأوسط على صفيح ساخن، وفي قلب هذا اللهيب، يتراقص صراع مباشر بين تل أبيب وطهران، مهددًا بإلقاء المنطقة في ظلام دامس وتأجيل أي آمال للسلام




