لبنان على مفترق طرق: الاستجابة للداخل أم الانصياع للخارج

/أ.إدريس أحميد ..صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي من ليبيا/
في زمنٍ تتشابك فيه خيوط الداخل والخارج، يقف لبنان العريق أمام لحظة مصيرية جديدة. بلدٌ أنهكته الحرب الأهلية والتدخلات الإقليمية والدولية، وأثقلته الانقسامات والطائفية والمحاصصة، يجد نفسه اليوم في اختبارٍ صعب: هل يستجيب لإرادة الداخل الباحثة عن كرامة واستقرار حقيقي؟ أم يرضخ لضغوط الخارج الساعي لتغيير موازين القوى وإنهاء مشروع المقاومة؟
بين مطرقة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وسندان المطالب الدولية والإقليمية، يبدو لبنان في سباقٍ مع الزمن؛ إما أن يختار طريقًا وطنيًا جامعًا يعيد له حضوره ودوره، أو يغرق أكثر في دوامة الانهيار والتبعية.
أسباب الأزمة وجذورها
يعود جزءٌ كبير من أزمة لبنان إلى سياسة المستعمر الفرنسي الذي كرّس انحيازًا لطائفة على حساب بقية الطوائف، ما عمّق الانقسامات وجعل التعدد الديمغرافي عنصر هشاشة بدلًا من أن يكون مصدر قوة. كما زاد غياب العدالة الاجتماعية، وانحصار التنمية في مناطق محددة، من الشعور بالتهميش والتفاوت.
ثم جاء التواجد الفلسطيني ليفاقم الوضع؛ إذ تحوّلت الأراضي اللبنانية إلى ساحة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وسط انقسام لبناني داخلي بين داعمي المقاومة ومعارضي تحويل لبنان إلى ساحة حرب. التدخل الإسرائيلي زاد الطين بلّة، بتعاون بعض الأطراف اللبنانية معه، وفتح الباب لسلسلة من الاغتيالات والصراعات الداخلية.
لاحقًا، ساهم التدخل الإيراني في إنشاء حركات مقاومة مثل حركة أمل وحزب الله، ما دفع أطرافًا لبنانية أخرى للتحالف مع السعودية، فانعكس الصراع الإيراني–السعودي مباشرة على الداخل اللبناني. وتعاونت بعض الأطراف أيضًا مع إسرائيل، كما حدث مع جيش جنوب لبنان بقيادة سعد حداد ثم أنطوان لحد.
بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، تدخلت سوريا بقوة وأعادت تشكيل التحالفات، لتسيطر عمليًا على لبنان لفترة طويلة، بينما استمر اجتياح إسرائيل واحتلالها لجنوب لبنان حتى عام 2000. ثم جاء اتفاق الطائف عام 1989 لينهي الحرب الأهلية لكنه رسخ المحاصصة الطائفية كنظام حكم، وبقي الحل الخارجي يفرض نفسه على حساب توافق داخلي حقيقي.
السلاح في لبنان: معادلة القوة والانقسام
حملت معظم الأطراف اللبنانية السلاح للدفاع عن وجودها ومصالحها. ورأت الحركات الشيعية، خاصة حزب الله، في السلاح ضرورة للدفاع عن لبنان ودعم القضية الفلسطينية. نجح الحزب في طرد الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ثم واجه إسرائيل مجددًا في حرب 2006 التي انتهت بقرار مجلس الأمن رقم 1701.
هذا المسار المقاوم منح الحزب شعبية كبيرة داخليًا وعربيًا، لكنه في الوقت ذاته فاقم الانقسام الداخلي بين من يعتبرون سلاحه ضمانة وطنية للردع، وبين من يرونه تهديدًا لاستقرار الدولة وللسيادة اللبنانية.
تعطيل العملية السياسية
بقيت العملية السياسية اللبنانية رهينة التوازنات الهشة والتدخلات الخارجية؛ فأصبح انتخاب رئيس الجمهورية أو تشكيل الحكومة مرهونًا بالتوافق بين أطراف خارجية كإيران والسعودية وسوريا وفرنسا وأمريكا. وعندما تغيب التوافقات، يتم اللجوء إلى أسماء «توافقية» لا تملك دومًا برنامجًا إصلاحيًا حقيقيًا، بينما تُقسّم الحقائب الوزارية وفق المحاصصة الطائفية دون اعتبار للكفاءة أو الأولويات الوطنية.
نتيجة لذلك، تراكمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبقي لبنان غارقًا في المراوحة والتراجع.
تداعيات «طوفان الأقصى»
بعد عملية «طوفان الأقصى»، انخرط حزب الله في مواجهة محدودة مع إسرائيل، عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة. لكن إسرائيل نجحت في توجيه ضربات نوعية ضد الحزب، بدأت بعملية «هواتف البيرجر» التي كشفت اختراقًا أمنيًا واسعًا، وتطورت إلى اغتيالات طالت قيادات بارزة، أهمها اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله. هذه الضربات شكّلت صدمة كبيرة، كشفت عن عمل استخباراتي طويل الأمد من قبل الموساد.
رغم بقاء قدرات الحزب العسكرية، فإن هذه العمليات أحدثت انقسامًا وقلقًا داخليًا، واستُغلت سياسيًا من بعض الأطراف لتصفية الحسابات مع الحزب.
تحول سياسي وفرصة تاريخية
في يناير 2025، شهد لبنان تحولا مفصليًا بانتخاب قائد الجيش السابق جوزيف عون رئيسًا للجمهورية بـ99 صوتًا، وتكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة بعد حصوله على 84 صوتًا. جاء هذا التحول نتيجة ضغوط دولية وإقليمية قوية، خصوصًا من فرنسا وأمريكا، وأسفر عن تشكيل حكومة جديدة بسرعة غير معهودة ودون عراقيل المحاصصة المعتادة.
طرحت الحكومة برنامجًا للإصلاح السياسي والاقتصادي، لكن على رأس شروط الدعم الدولي جاء مطلب جمع سلاح حزب الله.
زاوية ضيقة للحكومة اللبنانية
هنا تواجه الحكومة اللبنانية معضلة تاريخية: إذا استجابت لمطلب جمع سلاح حزب الله، تخسر لبنان عامل الردع أمام إسرائيل وتُنهي مشروع المقاومة، مع كل ما لذلك من تداعيات على الهوية الوطنية. أما إذا رفضت، فسيستمر العدوان الإسرائيلي على لبنان، وقد يمتد أيضًا إلى إيران آخر معاقل المواجهة مع الكيان الصهيوني.
وفي المقابل، لن يحصل لبنان على المساعدات الأمريكية والأوروبية الضرورية لإنقاذ اقتصاده المنهار، ما يعني استمرار التراجع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ليقترب أكثر من حالة الدولة الفاشلة.
في النهاية
يبقى لبنان بلدًا استثنائيًا بتاريخٍ طويل وثقافةٍ عريقة، لكن خروجه من أزمته التاريخية رهن بقدرة أبنائه على تقديم المصلحة الوطنية فوق الولاءات الإقليمية والدولية، وإيجاد معادلة توازن تحفظ السيادة وتبني دولة قوية وعادلة في الوقت نفسه؛ دولة قادرة على حماية شعبها واستعادة دورها الحضاري في المنطقة والعالم.




