مقالات

الطوفان القادم إلى الشمال


د.فادي شامية / موقع الأمَّة /
من أطلق شرارة “الطوفان” كان يريد له أن يتوسع ليعم ويغير الواقع العربي البائس؛ لمستويات أكثر مما بلغته، حتى مع تحول “جبهة الشمال” إلى جبهة حرب رئيسة. في تقديرات يحيى السنوار أن اشتراك جبهات أخرى بفعالية؛ تغير موازين القوى؛ أمر ممكن، وهو لم يتحقق بعد. شكره للسيد نصر الله “على انخراط الحزب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ضمن معركة طوفان الأقصى” علامة بينة تؤكد ذلك.

وفيما يتعنت بنيامين نتنياهو، رافضاً التسويات؛ أصبحت جبهة شمال فلسطين المحتلة ميدان القتال الأول، وهو ميدان “خصب” لتسجيل “وقائع” عسكرية كبرى، وفقا للمسار المتوقع للأحداث، وهو مسار يبدو أنه صار منفصلاً عن مسار الحرب في غزة، مع أنه انطلق استجابة له. بمعنى آخر؛ فإن هدف “إعادة سكان الشمال” الذي أضافه نتنياهو إلى أهداف الحرب الثلاثة المتعلقة بمسار المواجهة مع “حماس”؛ لا يمكن أن يتحقق إذا توقفت الحرب على غزة بتسوية؛ اعتبرها “حزب الله” سببا لتوقفه من جانب واحد عن قصف شمال فلسطين المحتلة. الأمر بات معقدا أكثر من ذلك، لأن هدف “إعادة سكان الشمال” له مفهوم آخر في الجانب الإسرائيلي؛ أولا: العودة وثانيا: ضمان عدم التهجير مرة أخرى، أقله في المدى المنظور، وهذا يعني أن المواجهة بين “إسرائيل” و”حزب الله” ما تزال في بداياتها “الجدية”، وأن نهاياتها لن تكون إلا بتسوية تضمن ذلك.

ولفهم المشهد الحالي؛ فهو ناشئ عن مزايدة المعارضة على نتنياهو وضغط من الشارع الإسرائيلي لتوجيه ضربات أكبر إلى “حزب الله”، وعن رغبة الحزب في أذية “إسرائيل” وتعطش جمهوره إلى تحقيق إنجازات عسكرية؛ تعيد للحزب “اعتباره” بعد النكسات الأخيرة التي أصابته. هذه الأهداف والرغبات المتعاكسة آخذة في التصاعد، ما يعني تعاظم في المواجهات والضربات المتبادلة، إلى الوقت الذي يبلغ فيه المتحاربون مرحلة التعب، حيث يمكن للوسطاء حينها نسج الحلول التي تسمح بوقف إطلاق النار.. وعلى المتحمسين من الطرفين أن يدركوا من الآن أن “الطوفان في الشمال” لا يهدف إلى إزالة “إسرائيل” ولا إلى تدمير “حزب الله”، وأن المواجهة محسوبة بالنقاط، وستنتهي -مهما تعاظمت- بتسوية -على الأرجح- انطلاقا من القرار الدولي 1701؛ الذي تتهم “إسرائيل” الحزب بالإطاحة به في الثامن من أكتوبر، إسناداً لغزة.

هذا المسار الدموي لن يخلو من مفاجآت؛ توسُّع أكبر للجبهات، وقائع عسكرية استثنائية تغير مسار الأحداث، اتفاقات دولية معلنة أو غير معلنة.. وغير ذلك مما يصعب حصره؛ في زمن الحرب، وهذا يسري بالضرورة على المسار الذي ستأخذه الأمور بعد توقف هذه الحرب، ونموذج الأحداث السياسية التي ضربت لبنان بعد حرب تموز العام 2006 لا تزال حاضرة بذكرياتها وآثارها، يضاف إليها كل المآسي التي ألمت بلبنان منذ ذلك التاريخ، سياسية وأمنية واقتصادية، ما يعني أن لبنان دخل في خطرين؛ الحرب بما تحمله من دمار وضحايا، والمسار الداخلي ما بعد الحرب؛ بما يحمله من اضطرابات سياسية -وربما أمنية واقتصادية- على خلفية الحرب وأسبابها وارتداداتها.

لا يخفى في هذا السياق؛ حجم الانقسام الأهلي في لبنان حول ما يجري؛ ففيما يعتبر الفريق المؤيد لـ “حزب الله” أن ما يقوم به واجب قومي وحماية للبنان، يرى الشطر الآخر من اللبنانيين أن الحرب؛ تخرب لبنان ولا تفيد غزة، وتحول البلد إلى ساحة مستتبعة لإيران، فضلا عن كونها فرعاً لموضوع أكبر مختلف عليه يتعلق بالسلاح وقرار السلم والحرب.. وهنا لا بد من التنويه أن التضامن الوطني والتعاطف الإنساني الذي يتجلى بصور عديدة مع توالي الضربات على لبنان؛ لا يُخفي بالضرورة واقع الانقسام، ولا المطالبة بوقف الحرب فورا، ولا الخشية من ارتداد الحزب إلى الداخل بعد الحرب، كما أنه لا يخفي بالضرورة مواقف مكتومة في الشطر الآخر–لأن صوت المعركة أعلى راهناً- ترى أن بعض اللبنانيين هم أقرب إلى العدو الإسرائيلي منهم إلى المقاومة في لبنان.. وفي ذلك كله مخاطر راهنة ومستقبـَلة، على البلد ووحدته وأمنه.

وفيما تأخذ الأمور مساراً متدحرجاً؛ لا يبدو أن طرفي النزاع قادران على التوقف؛ تركيبة “حزب الله” والهوية الذهنية التي صنعها لنفسه؛ لا تسمح له بالتوقف قبل تحقيق ما يمكن أن يطلق عليه “انتصار”، تحت طائلة الانكفاء وربما التشقق، ونتنياهو الذي جعل من “إعادة سكان الشمال” هدفا للحرب؛ لا يمكنه التراجع دون تحقيقه هذا الهدف، تحت طائلة السقوط وربما المحاكمة والسجن.. إنه الطوفان الذي انتقل من غزة إلى لبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى