مقالات

       ردٌ “مدوزن” أعلى بقليل من ردّ 14 نيسان؟!

7/8/2024

طارق ترشيشي-لموقع الأمة

فيما ينتظر لبنان والمنطقة والعالم رد “محور المقاومة” على جرائم الاغتيالات الإسرائيلية الأخيرة وينطلق سيل جارف من التكهنات والتوقعات حول طبيعة هذا الرد، تجري محاولات ومساع كثيرة في غير اتجاه وعلى اكثر من مستوى بعضها معلن والبعض الآخر مضمر لكي لا يتسبب الرد الاسرائيلي على هذا الرد بنشوب حرب شاملة  في المنطقة ترغب بها إسرائيل فيما كثيرون لا يريدون الدخول فيها.

ويقول ديبلوماسي مخضرم وخبير في السياسة الأميركية أن رد محور المقاومة على اسرائيل “حاصل حتما” سواء جاء موحداً او مجموعة ردود منسقة، إذا لا يمكن لإيران او”حزب الله” او المقاومة العراقية أو حركة “أنصار الله ” الحوثية وكل “المحور المقاوم” عدم الرد وترك اسرائيل تسرح وتمرح في المنطقة على هواها من دون رادع.. لكن الولايات المتحدة الأميركية ومعها عواصم عربية وغربية تعمل على يكون هذا الرد “مدوزناً” على غرار الرد السابق في 14 نيسان الماضي على قصف القنصلية الإيرانية في دمشق، ولكن هذه المرة  بـ”دوز” أعلى قليلا ، لأن هذه العواصم وعلى رأسها واشنطن لن تترك الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط تفلت من يدها، وإنما تريد لها أن تبقى “تحت السيطرة” بحيث يأتي رد “محور المقاومة” تحت سقف لا يأخذ المنطقة إلى حرب واسعة النطاق وعلى نحو لا يمكن التحكم بمآلاتها ونتائجها.

 “فلا مصلحة لأحد في الحرب الااسرائيل”، يضيف الديبلوماسي، مؤكد ان “أي حرب مفتوحة هي ضد مصالح الجميع ولذلك يعملون لتفاديها نظرا لضرره الكبير على مصالحهم، وأن الأميركيين هم الطرف صاحب المصلحة الكبرى في عدم وقوع الحرب لأنهم خائفون بالدرجة الاولى، وقبل خوفهم على مصالحهم الاخرى، على قواتهم المتركزة في المنطقة والتي يبلغ عديدها 50,000 عسكري موزعين بين تركيا والسعودية وقطر وغيرها. ولذلك عندما أرسلوا اخيرا حاملات الطائرات والمدمرات إلى البحر المتوسط والخليج العربي والبحر الأحمر إنما أرسلوها لحماية هذه القوات ولاهداف دفاعية لا هجومية وذلك لتفادي الحرب ومساعدة اسرائيل على صد الهجمات عليها وليس للمشاركة الى جانبها  في شن هجمات او القيام بأي أعمال حربية مباشرة قد تدحرج المنطقة الى حرب شاملة.

في حين أن الهم الأكبر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حسب الديبوماسي نفسه، هو الاتصالات و”الغرام”، في رأيه، القائم بين الأميركيين وإيران، فهذا الأمر يشكل مصدر رعب له ولذلك فإن كل همه هو توريط الولايات المتحدة الأميركية في حرب ضد إيران، أو أقله منعها من تطوير علاقاتها مع إيران، خصوصا في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، والدليل إلى ذلك، أن نتنياهو أتى على ذكر إيران سلبا في خطابه أمام الكونغرس الأميركي اكثر من 38 مرة في حين جاء على ذكر حزب الله ثلاث مرات فقط .

ويشدد هذا الديبلوماسي على أن نتنياهو اغتال رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في قلب طهران لكي يورط  الأميركيين في حرب ضد الإيرانيين، فلو كانت نيته قتل هنية لمجرد القتل في سياق الحرب الدائرة بين إسرائيل و”حماس” في قطاع غزة لكان قتله في تركيا أو قطر او أي مكان آخر، لكن اراد اغتياله في أصعب مكان لتنفيذ عملية من هذا النوع بغية استدراج ايران الى حرب مباشرة مع اسرائيل لا يمكن الولايات المتحدة الاميركية الا ان تقف فيها الى جانب تل ابيب، فهو يعرف أن الإيرانيين لا يمكنهم السكوت على جريمة بهذه الخطورة نالت من شرفهم قبل اي شيء اخر، من دون يردوا عليها مهما كلفهم الامر، ومثل هذا الرد تريد اسرائيل ان تتخذه  ذريعة  لتوريط واشنطن وحلفائها الغربيين في حرب واسعة النطاق ضد إيران وحلفائها في المنطقة، لأن هذه الحرب  تخدم مصالحها فهي تعمل لها منذ عشرات السنين وتحض الولايات المتحدة الأميركية مرارا وتكرارا على توجيه ضربة تدميرية لإيران وبرنامج النووي لأنها ترى فيه “خطرا وجوديا” عليها. ولذلك كان تركيز نتنياهو في خطابه أمام الكونغرس على إيران دون سواها، فلم يتحدث مثلا عن حركة “انصار الله” الحوثية اليمنية واقفالها البحر الأحمر أمام أي سفن تحاول الدخول إلى الموانىء الاسرائيلية في ايلات وغيرها. وأكثر من ذلك منن نتنياهو الأميركيين بأنه في حربه ضد إيران انما يدافع عن الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموما وأنه يشكل “خط الدفاع الاول”  في هذه المواجهة، وعلى الغرب عموما أن يمده بكل أسباب القوة والدعم لكي يتمكن من تقويض إيران نوويا وعسكرياً ونفوذها في المنطقة.

ولكن الأميركي، يقول الديبلوماسي المخضرم،  لا يرى مصلحة آنية أو مرحلية او استراتيجية له في خوض حرب ضد إيران، وكذلك لا مصلحة له في فتح جبهة  حرب كبرى  في لبنان، ولذلك في الوقت الذي الذي لن ينجر خلف إسرائيل إلى حرب على طهران فإنه في الوقت نفسه سيعمل على ضبط الوضع على الجبهة اللبنانية الجنوبية ويدفع في اتجاه العودة إلى قواعد اشتباك القديمة التي كانت قائمة قبل عملية “طوفان الاقصى” اذا  تعثرت وساطة موفده عاموس هوكشتاين في تحقيق اتفاق على تنفيذ القرار الدولي الرقم ،1701 فهذه الوساطة وخلاما لما يشاع ما تزال مستمرة، إذ أسرّ مرجع مسؤول لبعض سائليه عنها قائلا “إن التواصل قائم ومستمر ولم ينقطع” بينه وبين هوكشتاين.

 ويلفت الديبلوماسي الى أن رد “محور المقاومة” على جرائم الاغتيال الإسرائيلية لم يحصل بعد في الوقت الذي يعيش  نصف الإسرائيليين  الآن في الملاجىء، وسال كيف سيكون وضعهم عند حصول هذا الرد. في وقت تتحدث صحيفة “نيويرك تايمز” عن أن “إسرائيل فقدت سيطرتها على ثلث اراضيها”. ولذلك، يقول الديبلوماسي ،  أنه لا يمكن نشوب أي حرب شاملة أو واسعة إذا لم تقم واشنطن  لاسرائيل جسرا جويا لتزويدها الدعم المادي العسكري واللوجستي اللازم  لهذه الحرب وذلك على غرار الجسر الذي اقامته لها غداة  عملية “طوفان الأقصى” عندما شنت اسرائيل حربها التدميرية على قطاع غزة تحت عنوان “القضاء على حركة حماس”، والتي ما تزال مستمرة حتى اليوم. ويلفت الديبلوماسي في هذا السياق الى أن الرئيس الأميركي جو بايدن “يمارس ضغوطا كبيرة” على إسرائيل لمنعها من جر المنطقة إلى حرب شاملة وتوريط واشنطن فيها إلى درجة أنه أبلغ إلى نتنياهو حرفيا: “إذا كنت تريد شن حرب مفتوحة على لبنان أو المنطقة فلا تتكل علينا لندعمك في هذه الحرب”.

 وينتهي الديبلوماسي المخضرم إلى الاشارة أن بايدن عندما كان سيناتورا ثم عندما كان يشغل منصب نائب الرئيس الاميركي ايام رئاسة باراك اوباما كان يصدر تعليمات دوما الى المعنيين بوجوب التستر على أي خلاف ينشأ بين واشنطن وتل ابيب ومنع تسربه إلى العلن، ولكن الاية انعكست اليوم على رغم من ان ما يسرب هو شيء ضئيل عما يتضمنه  القرار الأميركي بالقاضي بتهدئة الاوضاع،  في حين أن مواجهة قاسية تدور في الكواليس بين الجانبين الاميركي والاسرائيلي، لأن بايدن يرفض إعطاء  إسرائيل اي ضوء اخضر لشن حرب واسعة  في لبنان والمنطقة في ظل الانتخابات الرئاسية الاميركية.

                 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى