عقدة النقص في لبنان: يصبح هذا الشعور سلاحاً بيد السلطة

الدكتور ايلي دابلي/موقع الأمة/
في الواقع اللبناني، تتجلى العديد من الديناميكيات الاجتماعية والنفسية التي يمكن ربطها بتأثير الموروثات الثقافية والدينية المعقدة على الأفراد، خاصة أولئك الذين يعانون من عقدة النقص والشعور بالدونية. لبنان، بلد متعدد الطوائف والتوجهات السياسية، يشهد توترات تاريخية وصراعات داخلية أثرت بشكل عميق على هويات الأفراد والمجموعات. هذه البيئة المعقدة، التي تتسم بالتنافس على النفوذ والسلطة بين مختلف الفئات، خلقت ظروفًا يمكن أن تُعزز الشعور بالدونية لدى بعض الأفراد الذين يرون أنفسهم أقل حظًا أو مكانة مقارنة بالآخرين.
في السياق اللبناني، قد نرى هذا الشعور بالدونية يظهر عند بعض الأشخاص الذين، بعد سنوات من التهميش أو الصراع الداخلي، يحصلون فجأة على فرص لتولي مناصب ذات نفوذ. في مثل هذه الحالات، يمكن لهؤلاء الأفراد أن يتعاملوا مع السلطة ليس كوسيلة لخدمة المجتمع، بل كأداة لتعويض عقدة النقص المتأصلة فيهم. هذا السلوك قد يؤدي إلى تعاملهم بفوقية مع النخب والمبدعين، كوسيلة لإثبات أنفسهم أمام المجتمع، مما يساهم في إحداث خلل في الديناميكيات الاجتماعية ويزيد من الانقسامات.
نظرية سيغموند فرويد الفلسفية تقدم إطارًا لفهم هذا السلوك. فرويد يرى أن الأفراد يتأثرون بعمليات نفسية غير واعية ناتجة عن الصراعات الداخلية بين الأنا، والهو، والأنا الأعلى. وفقًا لفرويد، يُعتبر الشعور بالنقص أحد تلك الصراعات الداخلية، حيث يعاني الأفراد من رغبات مكبوتة وأحاسيس غير معترف بها تسبب لهم شعورًا مستمرًا بالضيق أو عدم الرضا. هذه الرغبات المكبوتة تتفاعل مع الواقع الخارجي، خاصة في بيئة مثل لبنان، التي تتميز بالصراعات الطائفية والطبقية، ما يجعل من الصعب على الأفراد تحقيق نوع من التوازن النفسي.
عندما يُتاح لهؤلاء الأفراد الوصول إلى السلطة، يمكن أن يلجأوا إلى آليات دفاعية فرويدية، مثل التعويض أو الإسقاط. في حالة التعويض، يسعى الشخص الذي يشعر بالنقص إلى تعويض هذا الإحساس من خلال فرض نفوذه على الآخرين. بينما في الإسقاط، ينسب مشاعره السلبية إلى الآخرين، ما يعزز من شعوره بأنه متفوق أو في موقع أفضل. في السياق اللبناني، قد يتجلى ذلك في تعامل بعض المسؤولين أو القادة الجدد مع النخب المثقفة أو الاقتصادية بفوقية، وكأنهم يحاولون السيطرة على ما يعتقدون أنه تهديد لمكانتهم.
بالنظر إلى الواقع السياسي في لبنان، نجد أمثلة حية لهذا النمط من السلوك. بعض القادة الذين كانوا مهمشين في فترات معينة من حياتهم، أو ينحدرون من طوائف أو مجموعات عانت تاريخيًا من التمييز، يسعون عند حصولهم على السلطة لتعزيز نفوذهم بطريقة عدوانية تجاه المجموعات الأخرى. هذا يمكن أن يؤدي إلى توترات متزايدة بين الفئات الاجتماعية، حيث يشعر كل طرف بأن الآخر يحاول فرض هيمنته أو التقليل من شأنه.
تأثير هذا النوع من السلوك يمكن أن يكون مدمرًا على المستوى الاجتماعي. فالهيمنة النفسية التي يحاول البعض فرضها لتعويض شعورهم الداخلي بالنقص تعزز الانقسامات الاجتماعية وتضعف من قدرة المجتمع على التقدم. بدلاً من أن يكون القادة جسرًا للتواصل بين مختلف الفئات، يتحولون إلى أدوات لزيادة التوترات والصراعات، مما يضر بالانسجام المجتمعي.
إذا أعدنا النظر في نظرية فرويد حول الأنا الأعلى، الذي يمثل الضمير والأخلاق، يمكن القول إن بعض هؤلاء الأفراد قد يواجهون صراعًا داخليًا مع قيمهم ومعتقداتهم الدينية أو الثقافية. في المجتمع اللبناني، حيث تلعب الطوائف دورًا كبيرًا في تشكيل الهوية الشخصية، قد يشعر البعض بأنهم مجبرون على اتخاذ قرارات أو تبني سلوكيات لا تتوافق مع قناعاتهم الداخلية. هذا التناقض بين ما يتوقعه المجتمع أو الجماعة وبين ما يشعر به الفرد داخليًا يمكن أن يؤدي إلى تضخيم مشاعر النقص، وبالتالي السعي لتعويضها من خلال الهيمنة أو السيطرة.
التعامل مع هذه الظاهرة في لبنان يتطلب وعيًا أكبر بالصحة النفسية وتأثيرات الموروثات الثقافية والدينية على النفس البشرية. كما يتطلب تعزيز مناخ سياسي واجتماعي يتسم بالتعددية والتسامح، بحيث يشعر الأفراد بأنهم يستطيعون التعبير عن أنفسهم والعمل من أجل المصلحة العامة دون الحاجة إلى إثبات تفوقهم أو سيطرتهم على الآخرين. فقط من خلال مواجهة هذه الديناميكيات النفسية المعقدة، يمكن للبنان أن يسعى نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتماسكًا




