الأحزاب السياسية في ليبيا: من النشأة إلى التعددية – حزب نبض الوطن نموذجًا

أ.إدريس أحميد ..صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي.
تُعد الأحزاب السياسية ركيزة أساسية في الأنظمة الديمقراطية، كونها تعكس التنوع الفكري والاجتماعي والسياسي داخل الدولة. وفي ليبيا، مرّت الأحزاب بمراحل متباينة ما بين النشوء، التجميد، الحظر، ثم العودة التدريجية بعد 2011. وها هي تشهد، بحلول عام 2025، مرحلة جديدة من التعددية السياسية رغم استمرار التحديات.
البدايات في عهد المملكة الليبية (1951 – 1969)
في ظل الملكية الدستورية، شهدت ليبيا بداية تكوين الأحزاب السياسية بعد الاستقلال، مثل الجبهة الوطنية المتحدة والحزب الوطني. غير أن الحكومة قررت تجميد نشاط الأحزاب عام 1952، وذلك في إطار الحرص على الاستقرار ووحدة البلاد، مما أوقف تطور العمل الحزبي رغم وجود دستور يجيز التنظيم السياسي.
حظر الأحزاب في النظام الجمهوري وإحلال الجماهيرية ( 1977)
في مرحلة ما بعد 1969، شهدت ليبيا تحوّلات سياسية عميقة، تُوجت بإعلان النظام الجماهيري عام 1977، الذي ألغى الأحزاب واستبدلها بـ”المؤتمرات الشعبية” و”اللجان الثورية”. وصدر آنذاك تجريم رسمي لأي نشاط حزبي، ليغيب التعدد السياسي لعقود، وتُحصر المشاركة في إطارات سياسية مؤدلجة مرتبطة بالسلطة.
عودة الحياة الحزبية بعد 17 فبراير 2011
أعادت ثورة 17 فبراير 2011 الحياة السياسية إلى الواجهة، وسمح قانون الأحزاب لعام 2012 بتأسيس تنظيمات حزبية حرة. شهدت ليبيا تأسيس عشرات الأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية، المدنية، والليبرالية. من أبرزها:
تحالف القوى الوطنية
حزب العدالة والبناء
حزب الجبهة الوطنية
حزب الوطن
وقد بلغ عدد الأحزاب السياسية المسجلة في ليبيا بحلول عام 2025 نحو 68 حزبًا، في حين تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الأحزاب المتحصلة على إذن مزاولة العمل السياسي يقارب 86 حزبًا. إلا أن جزءًا كبيرًا منها غير مفعل حاليًا، إذ تأسست على عجل في 2012 للمشاركة في الانتخابات حينها، وتوقف كثير من مؤسسيها عن العمل لاحقًا. أما الأحزاب النشطة فعليًا فلا تتجاوز 15 إلى 20 حزبًا، شارك بعضها في الانتخابات السابقة، بينما انخرط آخرون في ترتيبات الاستحقاق الانتخابي الذي كان مقررًا في 24 ديسمبر 2021، قبل أن يُلغى بسبب الخلافات الدستورية والقانونية العالقة.
حزب نبض الوطن
أول حزب في إقليم فزان
في إطار السعي إلى توسيع قاعدة التمثيل السياسي، برز حزب نبض الوطن كأول حزب سياسي يُعلن عن نفسه في إقليم فزان، أحد أكثر الأقاليم الليبية تهميشًا من حيث التنمية والخدمات والمشاركة السياسية.
جاء الحزب استجابة لحاجة الجنوب إلى كيان سياسي يُمثّل أبناءه في العملية السياسية، ويؤطر طموحاتهم داخل مشروع وطني موحَّد. وقد تبنّى الحزب عدة أهداف محورية:
دعم المصالحة الوطنية الشاملة
العدالة في توزيع الثروة والسلطة
تمكين الشباب والمرأة في الجنوب
تنمية البنية التحتية والخدمات العامة
ويؤمن الحزب بأن بناء ليبيا الجديدة لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة حقيقية ومنصفة لمناطق الجنوب، وأن التمثيل الجغرافي المتوازن هو أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي.
الخلاصة:
نحو تعددية ناضجة ومؤسسات مستقرة
رغم تعثّر المسار الانتقالي، وانقسام المؤسسات، والصعوبات الأمنية، فإن استمرار وجود الأحزاب السياسية في ليبيا حتى عام 2025، ومنها أحزاب ناشئة مثل حزب نبض الوطن، يؤكد على إرادة الليبيين في بناء نظام سياسي تعددي، يحتكم إلى التداول السلمي على السلطة، ويعيد الاعتبار لجميع الأقاليم والمكونات في رسم مستقبل البلاد.




