مقالات

العصبيات الدينية في لبنان: جرح عميق في نسيج المجتمع

الدكتور إيلي دابلي / موقع الأُمَّة /

في ظل شوارع بيروت الصاخبة وقرى لبنان الهادئة، تظهر قضية العصبيات الدينية كأنها جرح لم يندمل، مؤثرة في حياة اللبنانيين اليومية، ومتغلغلة في نظامهم السياسي والاجتماعي. مع كل أزمة اقتصادية أو سياسية جديدة، يعود الحديث عن الطوائف والدين، حيث يُطرح السؤال المؤرق: كيف وصل لبنان إلى هذه النقطة؟ وهل من أمل لتجاوز الطائفية التي باتت جزءًا لا يتجزأ من حياة اللبنانيين؟

توازن هشّ منذ تأسيس الدولة

منذ الاستقلال، اختار لبنان التعايش مع طوائفه المتعددة، لكنه لم ينجح تمامًا في تحويل هذا التنوع إلى قوة. التوازن الهش بين الطوائف الرئيسية بدأ حين وُضع نظام توزيع المناصب، مع تخصيص منصب رئيس الجمهورية للمسيحيين الموارنة، ورئيس الوزراء للسنة، ورئيس مجلس النواب للشيعة. ربما كان هذا التوزيع مناسبًا في مرحلة تأسيس الدولة، لكنه أصبح اليوم عائقًا أمام الوحدة الوطنية، حيث يرى البعض أنه يشجع على ترسيخ الانتماءات الطائفية على حساب الهوية اللبنانية الجامعة.

العصبيات الطائفية تبدأ من المدارس

في أحياء بيروت وجبال لبنان، تمرّ أجيالٌ من اللبنانيين على مدارس تتبع كل منها طائفة معينة، وتنشأ في بيئات تُدرس فيها مواد تتحدث عن التاريخ الطائفي أكثر مما تعزز الهوية الوطنية. في دراسة أُجريت بالجامعة الأمريكية في بيروت عام 2018، أفاد 70% من الشباب اللبنانيين بأنهم يشعرون بأن انتماءهم الطائفي أقوى من انتمائهم الوطني، حيث تُزرع في عقولهم منذ الصغر أفكار تُغذي التفرقة الطائفية.

حين يكون الانتماء للطائفة أقوى من الانتماء للوطن

تُظهر الحياة اليومية في لبنان دور العصبيات الطائفية ليس فقط في الأفراح والأتراح، بل في الحصول على الوظائف والخدمات الأساسية. في دراسة أجراها “المركز اللبناني للدراسات” عام 2020، تبين أن 65% من اللبنانيين يعتبرون النظام السياسي الطائفي أساس مشكلاتهم، إلا أنهم يعترفون في الوقت ذاته بصعوبة تغييره. والأمر هنا يتجاوز الشكوى من النظام، فحوالي نصف الشعب يعتمد على الزعماء الطائفيين لضمان حقوقه الاجتماعية مثل الصحة والتعليم، وكأن الطائفة تحولت إلى بديل عن الدولة.

التدخلات الخارجية: وقودٌ يُشعل العصبيات

لم يتوقف الدور الخارجي عند حدود الدعم المالي والسياسي، بل تجاوز ذلك إلى تأجيج العصبيات الطائفية عبر دعم مجموعات دينية تخدم أجندات خارجية. بحسب دراسة “الشبكة العربية لدراسة النزاعات” عام 2021، يعتقد 60% من اللبنانيين أن تدخلات الدول الإقليمية تزيد من تأجيج الصراع الطائفي في لبنان، مؤكدين أن بلادهم أصبحت ساحة صراع لمصالح إقليمية ودولية.

عصبيات تحوّل السياسة إلى استقطاب طائفي

العصبيات الطائفية أثرت على النظام السياسي بشكل جعل أي إصلاح يبدو مستحيلاً. ومع كل أزمة جديدة، تتكشف الخلافات بين الزعماء الذين يتحركون تحت عباءة الطوائف، مما يحول دون اتخاذ قرارات حاسمة. فالاستقطاب الطائفي يعقّد أي محاولة لإجراء تغيير جذري في النظام، بينما تُحبط آمال اللبنانيين في بناء دولة عادلة.

حلول تحتاج إلى جهد مشترك

رغم قتامة المشهد، يؤكد بعض الباحثين والناشطين على إمكانية التغيير، لكن الأمر يتطلب شجاعة وإرادة جماعية. إصلاح النظام التعليمي، مثلاً، قد يكون خطوة أساسية لتحرير العقول الشابة من قيود العصبيات الطائفية. في المقابل، يتطلب الإصلاح السياسي إرادة شعبية عارمة للضغط على الطبقة الحاكمة نحو إلغاء المحاصصة الطائفية. لكن التغيير الحقيقي لن يكون سهلاً؛ إذ يتطلب التعاون بين الدولة والمجتمع المدني لتفعيل التنمية المتوازنة والتصدي للتدخلات الخارجية.

لبنان: إلى أين؟

قضية العصبيات الطائفية ليست مسألة سهلة أو ذات حل سريع، بل هي تحدٍّ متجذر يهدد مستقبل الوطن، ويحتاج إلى جهود حقيقية من أجل تجاوزه. اللبنانيون يواجهون اليوم خيارًا صعبًا، إما أن يتخطوا هذه الحواجز المصطنعة ويبنيوا دولة لجميع مواطنيها، أو أن يستمروا في العيش تحت وطأة العصبيات الدينية، رهائن لماضٍ يعيقهم عن المضي قدمًا نحو مستقبلٍ مشرق.

في النهاية، يبقى لبنان بلدًا متعدد الثقافات والمذاهب، بلدًا يستطيع تحويل تنوعه إلى قوة، إذا ما اختار أبناؤه تجاوز العصبيات الدينية وجعل الانتماء الوطني فوق كل الاعتبارات الأخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى