“مخططات ملغومة”

ريما فارس/موقع الأمة/
منذ اندلاع الصراع وتصاعد وتيرة المفاوضات، يتبنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سياسة المراوغة المنهجية، محاولاً أن يظهر بمظهر الساعي إلى الحلول. لكن الواقع يكشف أن ما يقدمه ليس سوى أفخاخ سياسية مموهة بمقترحات ظاهرها التسوية وباطنها الهيمنة. من غزة إلى لبنان، يتكرر المشهد ذاته؛ مقترحات ملغومة لا هدف لها سوى انتزاع تنازلات استراتيجية، كطرح فكرة “لجنة مراقبة” بصلاحيات استثنائية تجعل القوات الدولية “اليونيفيل” أداة طيّعة تحت سيطرته، مما يحوّل مهمتها من حفظ السلام إلى تنفيذ مخططات الاحتلال.
حتى إذا افترضنا جدلاً أن لبنان قَبِل هذه الإملاءات التي لا يمكن وصفها إلا بـ”عرض استسلام”، فإن نتنياهو لن يتوقف عند هذا الحد. فالحرب بالنسبة له ليست مجرد أداة لتحقيق أهداف آنية، بل استراتيجية ممتدة تُغذّيها شراكة متينة مع حلفاء في الداخل والخارج. الدعم الأميركي الممنوح له من قبل إدارة ترمب، والتي مدّت فترة السماح له حتى يناير 2025، يكشف جانباً من هذا المشهد، خاصة مع توقعاته بعودة حكومة أميركية يمينية تنسجم مع حلفائه المتشددين في الداخل، أمثال بن غفير وسموتريتش.
الحرب لن تتوقف ما لم تحدث تغييرات جذرية تقلب الموازين، إما عبر تسوية إقليمية كبرى تعيد رسم المشهد السياسي في المنطقة بشكل شامل، أو خسائر ميدانية مباشرة تُلحق بإسرائيل جروحاً لا تستطيع تحملها. وفي ظل هذه الخيارات، يبقى التفاوض غير المباشر وشدّ الحبال الدبلوماسية ضرورة لا غنى عنها، حيث يثبت لبنان أنه متمسك بخياراته السيادية. وجود دولة الرئيس نبيه بري في هذا المشهد يمثل ركيزة أساسية، إذ يدير اللعبة بحنكة سياسية تُبقي نتنياهو في مأزق، حيث لا يستطيع انتزاع ما فشل في تحقيقه بالقوة العسكرية.
سياسات نتنياهو ليست سوى انعكاس لأزماته الداخلية ورغبته في تصدير مشكلاته إلى الخارج عبر إشعال النزاعات. لكن لبنان وفلسطين، بمعادلات صمودهم التاريخية، قادران على إحباط مخططاته. مهما حاول أن يفرض إرادته بالقوة أو بالمراوغة، فإن هذه السياسات لن تجلب له سوى المزيد من الأزمات، وستُجبره في النهاية على مواجهة واقع لا يمكن تجاوزه إلا بتسويات حقيقية، لا بإملاءات مغلّفة بشعارات زائفة.




